اخويا كان مسافر و بعت حاجات للعيله كلها، بس مراته مسكت عبايتي انا بذات وقالتلي بدليها معايا ،ولما رفضت قالت دي حاجة جوزي وانا اللي اختار الاول، كنت اقدر اشتكيله واعمل مشكله بس انا سكت وتاني يوم بعتلها شنطه اول ما فتحتها اترعبت وجابتلي العبايتين لحد البيت واترجتني اخدهم الاتنين!!!!! الواحد ساعات بيفضل السكوت على وجع الدماغ والمشاكل، خصوصاً لما بيكون الغايب ده أخ حنين مسافر وشقيان عشان يفرح العيلة كلها. أخويا أحمد، ربنا يديله الصحة مسافر بقاله سنين، وكل ما يبعت شنطة مع حد نازل، كانت بتبقى فرحة للبيت كله: لأمي وأبويا، ومراته شهيرة، وليا أنا وابني الصغير أحمد. بس كان فيه مشكلة متكررة مابتخلصش شهيرة مراته. من يوم ما دخلت البيت أول ما الشنطة توصل تفتحها،و تمد إيديها بسرعة وتنقي العباية أو الجلابية الأجمل والأغلى وتقول: "دي بتاعتي! جوزي بيقولي انتي نقي واختاري الأول، والباقي بعدك!". حتى لو العباية مكتوب على كيسها اسمي أنا، عادي جداً تاخدها، ولو حاجتي مش على مزاجها المهم تاخد الحاجه اللي اسمي عليها وأنا؟ كنت بسكت وأقول "عشان أخويا ما يزعلش، وعشان البيت انا اصلا كنت دايماً أكون في بيتي مع جوزي وابني، ولا بحضر فتح الشنط أصلاً، ولما أروح ألاقي العبايه اللي فضلت بعد اختيارها اخدها وخلاص رغم ان امي كل مره تفضل تقولي بتاخد حاجتك بقصد تعالي بدري يا عبيطه واشبطي في حاجتك ...بس انا ولا كان بيفرقلي. لحد ما جه اليوم اللي فرق معايا بجد في يوم، لقيت أخويا أحمد بيكلمني فجأة فيديو كول، وقعد يوريني صور أربع عبايات مختلفة، وقال لي بحب وابتسامة: "بقولك ايه يا سهام ، نقي أحلى واحدة فيهم عشان هوديها هديه لحد وبثق في زوقك بصيت للصور واخترت عباية سوداء شيك جداً، وتفصيلتها تهبل وقيمتها عالية، وكنت فاكره بيشتريها لشهيرة مراته ضحكت وقلتله: "دي فخمة أوي يا أحمد، دي أحلى واحدة فيهم بجد قفل معايا وهو مبسوط،وأنا قفلت التليفون ونسيت الموضوع خالص. بعديها بأسبوع، كلمني وقالي: "روحي عند ماما النهارده يا سهام، هبعت شنطة مع واحد صاحبي، فيها العباية اللي اخترتيها، وفيه طقم تاني على ذوقي لأحمد ابنك". اتفاجئت وقلتله بحب: "ليه يا حبيبي تتعب نفسك وتتكلف ده انت مش مخلي في نفسنا حاجة! ده أنا كنت فاكراك بتنقيها لشهيرة ولله قال لي بصوت حنون: "لا دي هدية لكي إنتي يا غالية، وحتى شهيرة خليتها تختار لنفسها عباية على ذوقها برضه بنفس الطريقة". فرحت ورحت بيت أمي، وقعدت مستنية الشنطة أول ما وصلت، اتفتحت الشنطة، وكل واحد خد نصيبه. شهيرة طلعت العباية بتاعتها، والعباية بتاعتي اللي مكتوب عليها اسمي بوضوح. وفجأة، زي كل مرة، قامت شهيرة خطفت العباية السوداء بتاعتي من قدامي، وقالت ببرود وبجاحة مفيش بعدها: "بقولك ايه يا سهام، أنا هاخد دي لانها غاليه وعجبتني وانتي خدي التانية المزخرفة دي". بصيتلها بضيق وقلت: "بس يا شهيرة اسمي مكتوب على العباية السوداء دي، وأخويا كلمني وقالي إن دي بتاعتي وهو اللي مخترها لي والمره دي بذات عيزاها عشانه!". بصتلي بحدة وقالت: "نعم؟! إحنا أصحاب الحاجة وأنا اللي اختار الأول! اخوكي هو اللي بيقولي كده، بيقولي اختاري أنتِ يا شهيرة والباقي بعدك!". قلتلها بنبرة مخنوقة وضيق: "بس اسمي عليها أهو قدامك، وأخويا قالي عليها بالخصوص، وأصلًا أنا مش بلبس ألوان زاهية، والتانية دي قال إنك أنتِ اللي اخترتها لنفسك". ردت ببرود مقرف: "فعلاً أنا اخترتها، بس غيرت رأيي وعايزة أبدل، خدي أنتِ دي وأنا هاخد دي!" وزقت في اتجاهي العباية الملونة. نفضت إيدي وقلت لها بصرامة: "لأ معلش، مش عايزة أبدل، هاتي عبايتي خليني أمشي وأروح بيتي". هنا ضحكت بصوت عالي وقالت جملة نزلت عليا زي الصاعقة: "شحاتة وعينها بجحة! قلت لك أنا صاحبة الحاجة وأنا اللي أختار، ولو عجبتك العباية أوي كده خليه جوزك يجبلك زيها!". اتصدمت من بجاحتها وقسوة كلامها، وأمي قالت لها بعصبية: "عيب كده يا بنتي، بلاش الكلام ده!". ردت بوقاحة: "دي الحقيقة يا حماتي!". أنا سكت تماماً، وسبت العبايتين قدامها على الترابيزة، وقلت لها بهدوء غريب: "اللي تشوفيه يا شهيرة، مبروكين عليكي انا مش عايزه حاجه"، ومشيت بهدوء من غير ما أزعق، ومن غير ما أتصل بأخويا أشكي له أو أكدره في سفره انا عارفه كويس هعمل ايه؟؟ أما شهيرة، فبقت قاعدة في بيت أمي بتتفرج على العبايتين، مبهورة ومبسوطة إنها قدرت تفرض رأيها وتاخد الاتنين لنفسها، وتاني يوم على العصر كدة، وصل عند شهيرة شنطة سودا جديدة، ومكتوب عليها اسمها هي! شهيرة لما شافت الشنطة طارت من الفرحة، وافتكرت إن جوزها بعتلها هدية تانية وجريت فتحتها بس أول ما فتحت الشنطة وبصت جوة، عينيها وسعت من الرعب، ووشها اتغير كلياً، اخدت العبايتين وهيه بتعيط وجات بيهم جري على بيتي ووقفت تترجاني اخد العبايتين ليا وهيه مش عيزاهم!!!! ملحوظة القصة الكاملة ستجدها مثبتة في التعليقات علي الصفحه دي ورا كل باب حكاية 👉🏻 مش في الجروبات اضغط بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوست باللينك ❤❤❤ زهرة_الربيع صلي على حبيب الله أول ما شهيرة وصلت عند باب شقتي، كانت ماسكة العبايتين في إيدها وبتترعش، ووشها أصفر كأنها شافت مصيبة. خبطت على الباب خبط متواصل، ولما فتحت لها لقيتها بتبص وراها كل شوية، كأنها خايفة حد يكون ماشي وراها. قالتلي بصوت واطي: ـ سهام، عشان خاطري خدي العبايتين دول، أنا مش عايزاهم، والله العظيم مش عايزاهم، ومش هلمس حاجة تخصك تاني طول عمري! بصيت لها باستغراب، وبعدها بصيت للعبايتين اللي في إيدها، وقلت لها بهدوء: ـ مالك يا شهيرة؟ إيه اللي حصل؟ وإيه اللي خلاكي تتغيري في يوم وليلة كده؟ دخلت الشقة من غير ما تستنى ردي، وحطت العبايتين على الكنبة، وبعدها قعدت على طرف الكرسي وحطت إيديها على وشها. ـ افتحي الشنطة يا سهام، شوفي بنفسك، أنا مش قادرة أتكلم. بصيت ناحية الباب، لقيت شنطة سودا كبيرة محطوطة على الأرض جنب رجلها، وعليها ورقة صغيرة مكتوب عليها اسمي. استغربت أكتر، وقلت لها: ـ شنطة إيه دي؟ ومين اللي جابها؟ ردت وهي بتبلع ريقها بصعوبة: ـ واحد جه عندي النهارده الصبح، وقال لي إن الشنطة دي جاية من أحمد، وإنه موصيني أسلمها لك بإيدي. أنا افتكرت إن جوزي باعتلي هدية تانية، خصوصًا إن اسمي كان مكتوب عليها، لكن لما فتحتها لقيت حاجة خلتني مش عارفة أقف على رجلي. قربت من الشنطة وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة. مش خوف، قد ما هو فضول. أخويا أحمد كان مسافر، وأنا عارفة إنه مش من طبعه يعمل مشاكل بيني وبين مراته. طول عمره بيحب يلم العيلة ويصلح بين الناس، وعمره ما كان بيحب يحرج حد. فتحت الشنطة، وأول حاجة وقعت عيني عليها كانت ورقة مطوية بعناية، وفوقها علبة صغيرة فيها إيصال شراء. مديت إيدي للورقة وفتحتها. كان مكتوب بخط أحمد: "أختي حبيبتي سهام، أنا عارف إنك عمرك ما طلبتي مني حاجة، وعارف إنك بتفرحي باللي يوصلك حتى لو كان بسيط. العباية السودا اللي اخترتيها ليكي، وأنا متأكد إنها هتعجبك، ومش عايز حد يضايقك بسببها. أنا طلبت من المحل يبعتلك عباية تانية بنفس المقاس، ومعاها إيصال الشراء، ولو حصل أي لخبطة في الشنط، خليكي عارفة إن كل حاجة باسم صاحبتها حقها، ومش من حق حد يفرض عليها تبديلها." رفعت عيني وبصيت لشهيرة. كانت قاعدة قدامي ومش قادرة تبص في وشي. لكن الورقة ما كانتش هي السبب الحقيقي اللي خلاها تجري عليا بالعبايتين. لأن تحت الورقة كان فيه ظرف أبيض، مكتوب عليه بخط أخويا: "إلى شهيرة، اقري الكلام ده لوحدك الأول، وبعدها قرري هتعملي إيه." شهيرة أول ما شافت الظرف، قامت من مكانها بسرعة ومدت إيدها ناحيته. ـ سهام، هاتي الظرف ده! رجعت إيدي لورا وقلت لها: ـ ليه؟ هو فيه إيه؟ قالت وهي بتعيط: ـ عشان خاطري، أنا غلطانة، وعارفة إني غلطانة، بس مش عايزاكي تعرفي اللي فيه. بصيت لها بجدية وقلت: ـ إنتِ جيتي بيتي وطلبتي مني أفتح الشنطة، وإنتِ بنفسك قلتي لي أشوف اللي جواها. دلوقتي مش هينفع تخبّي عني حاجة من غير ما أفهم إيه اللي حصل. شهيرة نزلت عينيها للأرض، وفضلت ساكتة. فتحت الظرف، وبدأت أقرأ. لكن كل سطر كنت بقراه كان بيخليني أستغرب أكتر، لأن أحمد ما كانش بيتكلم عن العباية بس، ولا عن اللي حصل في بيت أمي. كان بيتكلم عن موضوع تاني خالص، موضوع واضح إنه كان متابع تفاصيله من فترة، وأنا ما كنتش أعرف عنه أي حاجة. رفعت عيني لشهيرة وسألتها: ـ هو أحمد عارف حاجة عن موضوع الفلوس؟ شهيرة غطت وشها بإيديها، وانفجرت في العياط. وساعتها عرفت إن حكاية العبايتين ما كانتش غير أول خيط في حكاية أكبر بكتير. الحكاية بدأت قبلها بشهرين، لما أحمد اتصل بيا في ليلة من الليالي... قبل موضوع العبايتين بشهرين، كنت قاعدة في بيتي في كفر الشيخ، بجهز العشا لابني الصغير، لما تليفوني رن. كان أحمد. رديت عليه وأنا بضحك: ـ إيه يا عم المسافر؟ افتكرت إن ليك أخت ولا لسه؟ ضحك وقال: ـ هو أنا أقدر أنساكي يا سهام؟ ده إنتِ اللي مبتسأليش عليا غير لما أكون أنا اللي بتصل. قلت له: ـ والله يا أحمد إنت عارف الدنيا، والبيت والولد والمدارس، وبعدين أنا عارفة إنك مشغول في شغلك. سكت لحظة، وبعدها قال: ـ سهام، عايز أسألك سؤال، بس عايزك تردي عليا بصراحة. نبرة صوته خلتني أسيب اللي في إيدي وأقعد. ـ خير يا أحمد؟ في حاجة حصلت؟ قال: ـ لأ، مفيش حاجة كبيرة، بس أنا محتاج أعرف رأيك في موضوع. قلت له: ـ قول يا حبيبي. قال: ـ لو حد من العيلة محتاج فلوس، وطلبها من حد تاني، المفروض اللي بيساعده يفضل يعايره بالموضوع ده كل شوية؟ استغربت السؤال، وقلت: ـ طبعًا لأ. اللي يساعد حد يساعده لوجه الله، ولو مش قادر يسامحه في المبلغ أو مش عايز يساعده، يبقى من الأول يقول إنه مش قادر. إنما يفضل يذله، يبقى كده ما ساعدوش أصلًا. قال: ـ حتى لو الشخص ده قريب منه قوي؟ قلت: ـ حتى لو أخوه. الفلوس بتتعوض، لكن كرامة الناس لو اتجرحت مش سهل تتصلح. أحمد سكت شوية، وبعدها غير الموضوع وسألني عن ابني، وعن أمي وأبويا، وقفلنا المكالمة. أنا وقتها ما فكرتش كتير في السؤال، وقلت يمكن حصل موقف مع حد من صحابه أو زميل في الشغل. لكن بعدين بدأت أفهم إن السؤال كان وراه حكاية. بعد المكالمة بأسبوع تقريبًا، كنت عند أمي، وقاعدة معاها في المطبخ بساعدها في تجهيز الغدا. شهيرة دخلت علينا، وكانت ماسكة موبايلها وبتتكلم مع واحدة صاحبتها بصوت عالي. ـ أيوه يا بنتي، هو أنا هفضل مستنية لحد ما يقرر يرجع؟ ده أنا اللي شايلة البيت كله لوحدي، ولو مش أنا اللي بعرف أتصرف، كان زماننا مش لاقيين ناكل. أمي بصتلها وقالت: ـ ربنا يقويكي يا بنتي، أحمد بيتعب عشانكم. شهيرة ردت بسرعة: ـ ما هو بيتعب عشان نفسه برضه، وبعدين الفلوس اللي بيبعتها مش كلها بتكفي. أنا عندي طلبات، وعندي لبس، وعندي التزامات، مش كل حاجة ينفع تتأجل. أمي حاولت تهديها: ـ يا بنتي محدش قال غير كده، بس أحمد مش مقصر معاكي. شهيرة قعدت على الكرسي وقالت: ـ أنا مش بقول إنه مقصر، أنا بقول إن كل واحد لازم يعرف حقه. وبعدين سهام دي ربنا مديها جوزها، هو أولى يصرف عليها، مش كل شوية أحمد يبعت لها حاجات. أنا كنت واقفة عند الحوض، وبسمع الكلام من غير ما أشارك فيه. لفيت ناحيتها وقلت: ـ يا شهيرة، أنا عمري ما طلبت من أحمد حاجة. هو اللي بيبعتلي هدية من نفسه، زي ما بيبعت لماما وبابا. قالت وهي بتبصلي: ـ وأنا قلت إنك بتطلبي؟ أنا بتكلم عمومًا. أمي اتدخلت بسرعة: ـ خلاص يا بنات، الغدا هيبرد، وكل واحدة تخلي بالها من بيتها. سكتنا، لكن الكلام فضل جوايا. مش عشان شهيرة شايفة إن أحمد بيصرف عليا، لكن عشان أنا عارفة إن أخويا عمره ما فرق بيني وبينها في المعاملة. كان كل ما يبعت حاجة، يحرص إن كل واحد ياخد اللي يناسبه، وحتى لو الهدية بسيطة، كانت بتوصل ومعاها كلمة حلوة تفرح القلب. ومع ذلك، كنت بقول لنفسي إن شهيرة يمكن مضغوطة من الغربة، ويمكن شايلة مسؤوليات كتير، ومش لازم كل كلمة تتحول لخناقة. بعدها بكام يوم، حصل موقف تاني. كنت رايحة أزور أمي، ولقيت شهيرة قاعدة معاها في الصالة، وقدامها دفتر صغير وقلم. أمي كانت بتراجع مصاريف البيت، لأن أبويا معاشه على قده، وأحمد كان بيساعدهم كل شهر بمبلغ ثابت. شهيرة قالت: ـ يا ماما، أنا شايفة إن أحمد لازم يزود المبلغ اللي بيبعته لكم. الأسعار غليت، وإنتوا عارفين إن أي حاجة دلوقتي بقت غالية. أمي قالت: ـ يا بنتي إحنا مش طالبين منه أكتر من اللي يقدر عليه، وهو كتر خيره. شهيرة ردت: ـ ما هو بيبعت فلوس، وبيشتري حاجات، وبعدين فيه حاجات كتير مش بتتحسب. أنا اللي بستقبل الشنط، وأنا اللي بفرزها، وأنا اللي بشوف مين ياخد إيه. بصتلها وقلت: ـ بس إنتِ مش بتفرزي حاجتك بس يا شهيرة، إنتِ ساعات بتاخدي حاجتي أنا كمان. شهيرة رفعت راسها بسرعة: ـ إيه؟ هو إحنا هنفتح الموضوع ده دلوقتي؟ قلت: ـ أنا مش بفتح موضوع، أنا بس بوضح إن كل حاجة ليها صاحبتها. ضحكت وقالت: ـ يا ستي، هي العبايات بقت مشكلة كبيرة كده؟ ما تاخدي غيرها وخلاص. أمي بصتلي بنظرة معناها اسكتي، وأنا فعلًا سكت. مش خوفًا منها، لكن عشان ما كنتش عايزة أعمل مشكلة عند أمي. بعد ما روحت بيتي، فضلت أفكر في كلامها. لقيت إن الموضوع مش مجرد عباية ولا طقم، الموضوع بقى طريقة تعامل. شهيرة بدأت تعتبر إن أي حاجة تدخل بيت أمي عن طريق أحمد من حقها تختار منها الأول، وبعدها توزع الباقي على مزاجها. ومع الوقت، بقت تتكلم عن الموضوع كأنه قانون طبيعي. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن أحمد كان بدأ يسمع كلامًا مختلفًا من أكتر من ناحية. في يوم، كان بيتكلم مع أمي على التليفون، وسألها عن مصاريف البيت، وعن الفلوس اللي بيبعتها كل شهر. أمي قالت له: ـ الحمد لله يا ابني، ربنا يكرمك ويبارك لك في رزقك. قال: ـ طيب يا أمي، المبلغ اللي ببعتُه ليكي بيكفيكي إنتِ وبابا؟ قالت: ـ أيوه يا حبيبي، وإحنا مش عايزينك تضغط على نفسك. سكت أحمد لحظة، وبعدين قال: ـ طب أنا كنت باعت مبلغ زيادة الشهر اللي فات عشان بابا يعمل الكشف اللي الدكتور طلبه، اتصرف فيه؟ أمي اتلخبطت. مش لأنها كانت مخبية حاجة عن أحمد، لكن لأنها ما كانتش عايزة تعمل مشكلة بينه وبين مراته. قالت: ـ الكشف اتعمل يا حبيبي، والحمد لله أبوك بخير. أحمد لاحظ إنها ما جاوبتش على سؤاله مباشرة، لكنه ما ضغطش عليها. بعد ما قفل معاها، رجع بص على التحويلات اللي كان بيبعتها. اكتشف إنه بعت مبلغًا إضافيًا في نفس الأسبوع اللي أمي كانت بتأجل فيه الكشف، وده خلاه يستغرب. اتصل بمراته وسألها: ـ شهيرة، فاكرة الفلوس اللي بعتها الشهر اللي فات عشان علاج أبويا؟ ردت بسرعة: ـ أيوه، مالها؟ قال: ـ ماما بتقول إن الكشف اتعمل، بس حاسس إن فيه حاجة مش واضحة. إنتِ وصلتي الفلوس لماما؟ شهيرة سكتت لحظة، وبعدها قالت: ـ أيوه طبعًا، أنا سلمتها الفلوس، يمكن هي صرفت جزء منها في حاجة تانية. أحمد ما حبش يتهمها من غير دليل، فقال: ـ تمام، أنا بس كنت بتأكد. وقفل. لكن الشك ما راحش. بعدها بأيام، اتصل بسهام، وسألها عن أمي وأبويا، ومن وسط الكلام عرف إن أمي كانت استلفت مبلغًا صغيرًا من جارتها عشان تشتري علاج أبويا. استغرب جدًا. أمه اللي عمرها ما طلبت منه حاجة زيادة، واللي كان بيبعت لها فلوس مخصوص للعلاج، تضطر تستلف من جارتها؟ ساعتها بدأ يجمع التفاصيل بهدوء. ما اتهمش شهيرة، وما دخلش في خناقة، لكنه بقى يحتفظ بإيصالات التحويلات، ويسجل المبالغ اللي بيبعتها، ويتأكد من وصول كل مبلغ للشخص المخصص له. وبعد فترة اكتشف إن فيه مبالغ كان بيبعتها لأمه عشان العلاج أو مصاريف البيت، ومراته بتقول له إنها وصلت، لكن أمه ما كانتش بتستلمها كاملة. لما واجهها أول مرة، قالت له إن فيه مصاريف طارئة، وإنها اضطرت تستخدم جزءًا من الفلوس، وإنها كانت ناوية ترجعه. أحمد طلب منها بهدوء إنها ترجع المبلغ، وإن أي احتياج خاص بيها تتكلم معاه فيه بصراحة بدل ما تستخدم فلوس مخصصة لأمه وأبوه. شهيرة وعدته إنها مش هتكرر الموضوع. وهو صدقها، أو على الأقل قرر يديها فرصة تصلح غلطها. لكن اللي حصل بعد كده كان مختلفًا. رجعنا للحظة اللي شهيرة كانت قاعدة فيها قدامي في الشقة، والظرف مفتوح بين إيديا. كنت لسه بقرأ آخر سطر في رسالة أحمد، واللي كان بيقول فيه: "أنا مش عايز أظلم حد، ولا هحكم على حد من كلام الناس. عشان كده طلبت من المحل يراجع حسابات الطلبات اللي اتعملت باسمي، وبعت نسخة من الفواتير لأمي عشان تبقى عارفة نصيب كل واحد. ولو حصل أي خلاف، كل واحد يرجع للفاتورة بتاعته، من غير زعل ولا تجريح." رفعت عيني لشهيرة وقلت: ـ إيه علاقة الفلوس بالعبايات؟ وإيه اللي مخوفك بالشكل ده؟ شهيرة مسحت دموعها وقالت: ـ عشان أنا لما فتحت الشنطة، لقيت ظرف تاني صغير تحت الورقة، وكان مكتوب عليه اسمي. جواه صورة تحويل بنكي وإيصال من محل الملابس. قلت: ـ وبعدين؟ قالت: ـ الإيصال كان فيه تمن العبايتين، وتفاصيل الطلب. واحدة باسمك، والتانية باسمي. وتحتهم ورقة من أحمد بيقول فيها إنه عارف إن حصلت مشكلة بيننا، وإنه مش عايز يحرجني، لكنه مش هيسكت لو حد أخد حاجة مش من حقه. سألتها: ـ يعني إنتِ خايفة عشان أحمد عرف إنك أخدتي العباية؟ قالت بسرعة: ـ مش بس كده يا سهام. أنا خايفة عشان هو بعتلي نسخة من كشف الحساب، وكتب إنه راجع كل المبالغ اللي اتبعتت لماما وبابا، وإنه اكتشف إن فيه فلوس اتصرفت في غير الغرض اللي اتبعتت عشانه. سكتت لحظة، وبعدين كملت: ـ أنا كنت فاكرة إنه مش هياخد باله. كنت بقول لنفسي إنه بعيد، ومشغول، ومش هيعرف كل جنيه راح فين. لكن هو عرف، وطلب مني أرجع المبالغ اللي استخدمتها من غير إذنه. قلت لها: ـ طب وإنتِ رجعتيها؟ نزلت عينيها للأرض وقالت: ـ جزء منها بس. حسيت إن صدري ضاق، مش عشان الفلوس نفسها، لكن عشان أمي وأبويا كانوا محتاجين الفلوس دي فعلًا. قلت لها: ـ يا شهيرة، إنتِ لو كنتِ محتاجة فلوس، كان ممكن تطلبي من أحمد، أو حتى تتكلمي معانا. إنما فلوس علاج أبويا ومصاريف أمي، دي حاجة تانية. قالت وهي بتعيط: ـ أنا عارفة، والله عارفة. أنا كنت غلطانة، وكل مرة كنت بقول هعوض اللي أخدته، وبعدها تحصل حاجة وأصرف تاني. ولما كنت بشوف أي حاجة جديدة جاية في الشنط، كنت بحس إن دي فرصة أعوض بيها نفسي، وأخد الأحسن قبل ما حد ياخده. بصيت لها باستغراب: ـ يعني موضوع العبايات كان تعويض عن الفلوس؟ هزت راسها: ـ مش بالظبط. أنا اتعودت إن الحاجة الحلوة لازم تكون ليا الأول. كنت بشوف إن أحمد جوزي، وإن أي حاجة جاية منه أنا أولى بيها من أي حد. حتى لو الحاجة مكتوب عليها اسمك، كنت بقول لنفسي إنك أخت جوزي، وإنك تقدري تشتري لنفسك، لكن أنا مراته ومن حقي أختار. قلت لها: ـ ومن إمتى حقك في الاختيار بقى معناه إنك تاخدي حق غيرك؟ ما ردتش. فضلت قاعدة تبكي، وأنا مش عارفة أواسيها ولا أعاتبها. أنا ما كنتش عايزة أشمت فيها، ولا كنت مبسوطة إنها وصلت للحالة دي. لكن في نفس الوقت، كنت فاكرة كل مرة سكت فيها عشان خاطر أخويا، وكل مرة خدت فيها حاجة تخصني وأنا قلت مش مشكلة. وقتها فهمت إن سكوتي ما كانش دايمًا بيحل المشكلة، ساعات كان بيدي الطرف التاني إحساس إن اللي بيعمله عادي، وإنه يقدر يكرره من غير ما حد يعترض. قلت لها: ـ طيب، وإيه اللي حصل لما فتحتي الشنطة؟ شهيرة رفعت راسها وقالت: ـ لقيت خطاب تاني، مكتوب فيه إن أحمد عايزني أروح أقعد معاه على مكالمة فيديو بالليل، وإنه هيكلم ماما وبابا كمان، عشان نتفق على طريقة واضحة لتسوية الفلوس. وكتب إنه مش هيقبل إن الموضوع يتحول لخناقة، ولا إنه حد يجرح حد، لكنه مش هيسيب حق أمه وأبوه يضيع. سألتها: ـ وده يخوفك ليه؟ ما دام إنتِ غلطانة، ترجعي الفلوس وخلاص. قالت بصوت مكسور: ـ عشان أنا كمان كنت قلت له إني رجعت كل حاجة، وده ما حصلش. أنا خايفة يفتكر إني كنت بكذب عليه طول الوقت. قلت لها: ـ هو مش محتاج يفتكر، هو عنده الحسابات قدامه. المهم دلوقتي تعملي إيه. شهيرة بصت للعبايتين، وبعدها قالت: ـ خديهم يا سهام، والله مش عايزاهم. أنا مش عايزة حاجة منك، ولا عايزة أحمد يقول إني أخدت حاجة تخصك. قمت من مكاني، وجبت لها كباية مية، وحطيتها قدامها. ـ اشربي الأول، وبعدها هنتكلم. شربت شوية، وبعدين قالت: ـ إنتِ مش زعلانة مني؟ ضحكت ضحكة صغيرة من غير فرحة وقلت: ـ زعلانة طبعًا. إنتِ جرحتيني قدام أمي، وقلتيلي كلام ما يتقالش. بس أنا مش عايزة أزود عليكِ وإنتِ في الحالة دي. اللي حصل لازم يتصلح، مش لازم يتحول لفضيحة. شهيرة فضلت باصة لي، كأنها مش مصدقة إني ما بدأتش أزعق فيها. وبعدين قالت: ـ أنا كنت فاكرة إنك هتجري تتصلي بأحمد وتشتكيلي. قلت: ـ كنت أقدر أعمل كده من أول مرة أخدتي فيها حاجة تخصني، لكن أنا كنت بخاف أزعله وهو بعيد. إنما المرة دي أنا سكت برضه، مش عشان إنتِ عندك حق، لكن عشان كنت عايزة أعرف هتتصرفي إزاي لما تواجهي نتيجة تصرفاتك. شهيرة اتنهدت وقالت: ـ أنا استاهل. قلت لها: ـ أنا مش هقول تستاهلي ولا ما تستاهليش. أنا عايزة أعرف حاجة واحدة: إنتِ مستعدة ترجعي الفلوس اللي اتصرفت من غير إذن أحمد؟ هزت راسها وقالت: ـ أيوه، بس محتاجة وقت. قلت: ـ يبقى تتكلمي معاه بصراحة، وتقولي له المبلغ اللي تقدري ترجعيه دلوقتي، واللي محتاج وقت، وتتفقوا على مواعيد واضحة. إنما الكذب هيكبر الموضوع، مش هيصغره. فضلت ساكتة شوية، وبعدين قامت من مكانها، ولمت العبايتين وحطتهم على الترابيزة. ـ دول بتوعك يا سهام. أنا مش همشي غير لما تاخديهم. بصيت للعبايتين وقلت: ـ أنا هاخد عبايتي، لكن العباية التانية بتاعتك إنتِ. أحمد اشتراها لك، ومش معنى إننا اختلفنا إنك تتنازلي عن حقك فيها. شهيرة بصتلي بدهشة: ـ بعد كل اللي عملته فيكي، لسه بتقوليلي خدي حاجتك وسيبيلي حاجتي؟ قلت: ـ أيوه، لأن الغلط ما يتصلحش بغلط تاني. أنا مش عايزة حاجة مش بتاعتي، زي ما مش عايزة حد ياخد حاجة بتاعتي. المرة دي شهيرة عيطت من غير ما تتكلم. وبعد شوية، أخدت عبايتها، ووقفت عند الباب، وقبل ما تمشي قالت: ـ سهام، أنا عارفة إن كلمة آسفة مش هتمسح اللي عملته، بس أنا آسفة. ما رديتش عليها بكلام كبير. قلت لها بس: ـ ربنا يصلح الحال. وخرجت. لكن الموضوع ما انتهيش عند كده. لأن مكالمة أحمد كانت لسه مستنيانا بالليل، واللي حصل فيها كان هيحدد شكل علاقتنا كلنا ببعض من هنا ورايح. الساعة كانت تسعة بالليل لما موبايل أمي رن. كنت عندها أنا وأبويا، وشهيرة قاعدة في بيتها مستنية المكالمة. أحمد ظهر على الشاشة، ووشه كان باين عليه الإرهاق من الشغل. أول ما شافنا قال: ـ السلام عليكم يا أمي، إزيك يا بابا؟ إزيك يا سهام؟ ردينا عليه، وبعدها سأل: ـ شهيرة موجودة؟ أمي قالت: ـ أيوه يا ابني، هي في بيتها، هتدخل معانا دلوقتي. بعد لحظات، ظهرت شهيرة على الشاشة، وكانت قاعدة في الصالة ووشها مرهق من العياط. أحمد بص لها، وسكت شوية، وبعدها قال: ـ أنا مش عامل المكالمة دي عشان أزعق لحد، ولا عشان أحرج حد. أنا عايز بس كل حاجة تبقى واضحة. شهيرة قالت بصوت ضعيف: ـ أنا عارفة يا أحمد. قال: ـ طيب، خلينا نبدأ بالفلوس اللي اتبعتت لماما وبابا. أنا بعت مبلغ للعلاج، ومبلغ لمصاريف البيت، ومبلغ تاني كان مخصص لحاجة ضرورية. لما راجعت التحويلات، لقيت إن فيه جزء ما وصلش للغرض اللي أنا حددته. أنا مش بتكلم عن فلوس البيت اللي إنتِ بتصرفيها من حسابنا، ولا عن احتياجاتك الشخصية اللي إحنا متفقين عليها. أنا بتكلم عن مبالغ اتبعتت لغرض محدد، وإنتِ قلتيلي إنها اتصرفت فيه، وبعد كده اكتشفت إن ده ما حصلش. شهيرة نزلت عينيها وقالت: ـ أنا غلطانة. أحمد ما قاطعهاش. كملت: ـ أنا كنت محتاجة فلوس في أكتر من مرة، وبدل ما أقول لك إني محتاجة، أخدت من المبالغ دي وقلت هرجعها. وكل مرة كنت بأجل الموضوع. ولما سألتني، خفت أقول لك الحقيقة، فكدبت عليك. أحمد أخد نفس طويل، وقال: ـ إنتِ لو كنتِ قلتيلي إنك محتاجة، كنت هسمعك. يمكن أوافق، ويمكن أقول لك نستنى شوية، لكن ما ينفعش تقوليلي إن الفلوس وصلت لأمي وهي ما وصلتلهاش. أمي قالت بحزن: ـ يا بنتي، لو كنتِ طلبتي مني فلوس كنت ساعدتك على قد ما أقدر، لكن أنا ما كنتش أعرف إنك بتاخدي من الفلوس اللي أحمد بيبعتها. شهيرة ردت: ـ أنا عارفة يا ماما، وحقك عليا. أحمد قال: ـ أنا مش عايز حد يفضل يلومها طول عمره، لكن لازم يكون فيه اتفاق واضح. المبلغ اللي اتصرف لازم يرجع، ولو مش هينفع مرة واحدة، يبقى على أقساط محددة، وأنا هساعد في ترتيبها، لكن من النهارده أي فلوس مخصصة لحاجة معينة هتروح للحاجة دي مباشرة. فلوس علاج بابا هبعتها لماما، ومصاريف البيت هتتبعت في حساب واضح، وأي حاجة تخص شهيرة هنتكلم فيها بيني وبين بعض. شهيرة هزت راسها بالموافقة. وبعدين أحمد بصلي وقال: ـ أما موضوع العباية، فأنا عايز أسمع منك يا سهام. حصل إيه بالظبط؟ كنت أقدر أحكي له كل كلمة قالتها شهيرة، وأقدر أخليه يسمع الإهانة اللي اتقالت لي قدام أمي. لكني قررت أقول الحقيقة من غير مبالغة ولا زيادة. حكيت له إزاي شهيرة أخدت العباية من قدامي، وإزاي أصرت تبدلها رغم إن اسمي كان مكتوب عليها، وإزاي قالت لي إن اللي عاجبني أطلبه من جوزي. أحمد فضل ساكت لحد ما خلصت. بعدها بص لمراته وقال: ـ الكلام ده حصل؟ شهيرة ردت بصوت واطي: ـ أيوه. قال: ـ وليه؟ شهيرة دموعها نزلت تاني: ـ اتعودت إني أختار الأول، وكنت فاكرة إنك مش هتزعل لو أخدت حاجة عجبتني، وإن سهام هتسكت زي كل مرة. بس أنا غلطانة، ومش عندي حجة. أحمد قال: ـ أنا عمري ما قلت لك إنك تختاري حاجتك وحاجة غيرك. أنا بقول لك اختاري اللي يعجبك من الحاجات اللي مخصصة ليكي، لكن مش معنى إنك مراتي إنك تاخدي حق أختي، ولا معنى إن سهام أختي إنها لازم تتنازل لك عن حاجتها. شهيرة غطت وشها بإيديها. أحمد كمل: ـ سهام عمرها ما طلبت مني حاجة، وحتى لما كنت بسألها إذا كانت محتاجة حاجة، كانت بتقولي الحمد لله. وأنا كنت ببعت لها الهدية دي مخصوص، لأنها اختارتها بنفسها. لما عرفت إن حصل خلاف، ما حبيتش أعمل مشكلة، لكن كان لازم أوضح إن كل واحدة ليها حقها. وبعدين قال جملة فضلت فاكرها طول عمري: ـ أنا مش هزعل لو حد قال لي إنه محتاج، لكن بزعل لما حد يفتكر إن طيبتي معناها إن حقي وحق الناس اللي بحبهم مباح. الكل سكت. حتى أبويا، اللي طول عمره بيحاول يصلح أي خلاف بكلمة طيبة، ما لقاش حاجة يقولها. بعد شوية، أحمد قال: ـ أنا مش عايز أسمع إن سهام اتجرحت تاني بسبب حاجة أنا بعتها. من النهارده كل هدية هتكون باسم صاحبتها، واللي مش عاجبه ده، يبقى ما يمدش إيده على حاجة مش بتاعته. وبعدين بص لشهيرة وقال: ـ وإنتِ يا شهيرة، أنا مش هحكم على حياتنا كلها من غلطة، لكن الثقة لازم ترجع بالأفعال. أنا مستني منك ترجعي الفلوس حسب الاتفاق، وتكوني صريحة معايا بعد كده. وأنا كمان هراجع مصاريفنا ونرتبها بشكل يناسب ظروفنا. شهيرة قالت: ـ حاضر. المكالمة خلصت بعد ما أحمد اطمن على أمي وأبويا، ووعد إنه هيكلمهم تاني يوم عشان يتابع موضوع العلاج. لكن أنا فضلت قاعدة في مكانى، بفكر في كل اللي حصل. ما كنتش فرحانة إن شهيرة اتكشفت، ولا كنت حاسة إني كسبت معركة. بالعكس، كنت زعلانة إن الموضوع وصل للمرحلة دي، وإن أخويا اللي بعيد عننا اضطر يشيل هم خلافات كان ممكن تتحل بكلمتين من الأول. بس في نفس الوقت، كنت مرتاحة إن كل واحد بقى عارف حدوده. بعد المكالمة بأسبوع، رحت أزور أمي، ولقيت شهيرة هناك من بدري. كانت قاعدة معاها في المطبخ، وبتساعدها في تجهيز الغدا. أول ما شافتني، قامت من مكانها وقالت: ـ تعالي يا سهام، أنا كنت مستنياكي. استغربت، لكن قعدت. شهيرة جابتلي كوباية شاي، وبعدها طلعت من شنطتها ظرف صغير وحطته قدامي. ـ ده ليكي. بصيت للظرف وقلت: ـ إيه ده؟ قالت: ـ أنا كتبت لك رسالة، وعايزة أقول لك فيها حاجة من غير ما حد يقاطعني. فتحت الظرف، ولقيت ورقة مكتوب فيها بخط إيدها: "سهام، أنا عارفة إنك طول الوقت كنت بتسكتِي عشان أحمد، وإن سكوتك ده خلاني أتمادى. أنا كنت فاكرة إنك ضعيفة، لكن اكتشفت إنك كنت بتحاولي تحافظي على البيت من المشاكل. أنا غلطت في حقك، مش بس في العباية، لكن في كل مرة قللت فيها من حقك أو اتعاملت مع حاجتك كأنها مش مهمة. أنا مش بطلب منك تنسي، لكن بطلب منك تديني فرصة أثبت لك إني اتغيرت." رفعت عيني لها. كانت بتبصلي من غير ما تتهرب المرة دي. قلت: ـ أنا مش هقدر أقول لك إن كل حاجة رجعت زي الأول، لأن اللي حصل وجعني. لكن لو إنتِ فعلًا عايزة تتغيري، يبقى التغيير هيبان في تصرفاتك، مش في الورق. هزت راسها وقالت: ـ عندك حق. وبعدين مدت إيدها وطلعت من شنطتها إيصال تحويل بنكي. ـ أنا بدأت أرجع الفلوس لأحمد، واتفقنا على مبلغ كل شهر. وهو قال لي إننا هنقفل الموضوع لما أرجع المبلغ كله، وإنه مش عايزني أضغط على نفسي لدرجة إني أستلف من حد تاني. أنا هالتزم باللي اتفقنا عليه. أمي كانت واقفة عند باب المطبخ، وسمعت الكلام، فقالت: ـ ربنا يصلح الحال يا بنتي. أهم حاجة إن كل واحد يتعلم من غلطه. شهيرة بصت لأمي وقالت: ـ أنا كمان عايزة أعتذر لك يا ماما، لأني خلتك في موقف صعب، وكنت بحطك في النص بيني وبين سهام. أمي قربت منها وربتت على كتفها: ـ خلاص يا بنتي، المهم ما يتكررش. بعدها شهيرة بصتلي وقالت: ـ وبالنسبة للعباية، أنا خليت المحل يبعت لك واحدة جديدة، لأن العباية اللي أحمد اختارهالك اتكرمشت من كتر ما فضلت في الشنطة، وأنا عارفة إنك كنتِ مستنياها. ضحكت وقلت: ـ يا شهيرة، أنا مش محتاجة عباية جديدة. أنا أخدت عبايتي، وهي عندي. قالت: ـ أنا عارفة، بس دي هدية مني ليكي، مش تعويض عن حاجة. لو مش عايزاها مش هزعل. فكرت لحظة، وبعدها قلت: ـ خلاص، هقبلها منك، بس بشرط. شهيرة استغربت: ـ شرط إيه؟ قلت لها: ـ لما أحمد يبعت شنطة تاني، كل واحدة تفتح الجزء اللي باسمها، ونبطل حكاية أنا أختار الأول وإنتِ تختاري الأول. كل واحدة تاخد حاجتها، واللي تحب تبدل مع التانية تسألها الأول، ولو التانية رفضت، الموضوع ينتهي عند كده. شهيرة ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: ـ اتفقنا. وبعدها بكام يوم، أحمد بعت شنطة جديدة. المرة دي، أمي فتحتها قدامنا، وكل حاجة كانت متقسمة في أكياس مكتوب عليها اسم كل واحد. شهيرة خدت حاجتها، وأنا خدت حاجتي، وما حصلش أي خلاف. ولما لقيت عباية بلون جميل في كيس شهيرة، قلت لها: ـ العباية دي حلوة أوي، لو مش هتلبسيها كتير ممكن تبدليها معايا؟ بصت للعباية، وبعدها بصتلي وضحكت: ـ لو إنتِ عايزاها، خديها. بس المرة دي أنا اللي بديهالك بمزاجي. ضحكت وقلت: ـ لأ، لو مش مناسبة ليكي، خليها. أنا مش عايزاكي تتنازلي عن حاجتك عشاني، زي ما أنا مش هتنازل عن حاجتي عشان حد يضغط عليا. وفي اللحظة دي، حسيت إننا بدأنا فعلًا نفهم بعض. مش معنى كده إن كل حاجة بقت مثالية، ولا إن الثقة رجعت في يوم وليلة. شهيرة احتاجت وقت عشان تثبت إنها اتغيرت، وأحمد احتاج وقت عشان يطمن إن الفلوس بقت بتوصل لأصحابها، وأنا كمان بقيت أتكلم لما حاجة تضايقني بدل ما أسكت وأفضل شايلة جوايا. وبعد شهور، رجع أحمد إجازة مصر. أول ما دخل بيت أمي، لقيته بيضحك وبيقول: ـ إيه يا جماعة؟ أنا غبت شوية لقيتكم بقيتوا تعرفوا تقسموا الشنط من غير خناقات! ضحكنا كلنا. شهيرة قربت منه وقالت: ـ خلاص يا أحمد، اتعلمنا الدرس. بص لها وقال: ـ المهم إننا نفضل فاكرينه. وبعدين طلع من شنطته علبة صغيرة واداها لأمي، وبعدها طلع كيس تاني باسمي. شهيرة بصت للكيس، وبعدين بصتلي وقالت: ـ افتحيه يا سهام، دي حاجتك. فتحت الكيس، ولقيت العباية السودا اللي اخترتها أول مرة، ومعاها إيصال صغير من المحل، وعلى الكيس مكتوب بخط أحمد: "لسه فاكر إنك قلتي إنها أحلى واحدة." ضحكت، ودموعي نزلت من غير ما أحس. أحمد قرب مني وقال: ـ تستاهلي كل خير يا سهام، ومش عايزك تسكتي على حقك تاني عشان خاطري. أنا أخوكي، ومن حقي أعرف لو حد ضايقك، حتى لو كان أقرب الناس ليا. قلت له: ـ وأنا مش عايزة أكون سبب في مشكلة بينك وبين مراتك، بس اتعلمت إن السكوت مش دايمًا بيحافظ على المحبة، وإن الحق لما يتقال بهدوء أحسن من إنه يفضل مستخبي لحد ما يكبر. أحمد ابتسم وقال: ـ أهو ده الكلام. في اليوم ده، اتغدينا كلنا عند أمي، وقعدنا نحكي عن أيام زمان، وعن المواقف اللي عدت علينا، وعن كل مرة كنا بنكبر فيها مشكلة صغيرة بسبب كلمة ما اتقالتش في وقتها. وشهيرة، اللي كانت في الأول بتجري تختار أحسن حاجة لنفسها، بقت لما أحمد يبعت حاجة تسأل كل واحدة عن ذوقها، وتسيب صاحبة الحاجة تختار براحتها. أما أنا، فاحتفظت بالعباية السودا، مش لأنها أغلى عباية وصلتني، ولا لأنها كانت سبب في إن شهيرة تعتذر، لكن لأنها فكرّتني بحاجة مهمة جدًا. إن المحبة مش معناها إنك تتنازلي عن حقك كل مرة، وإن الحفاظ على العيلة مش معناه إنك تسمحي لحد يجرحك عشان ما يحصلش خلاف. وإن اللي بيحبك بجد، مش هيطلب منك تفضلي ساكتة على وجعك عشان راحته. أما شهيرة، فمع الوقت رجعت علاقتنا أحسن من الأول، لكن المرة دي كانت مبنية على الوضوح والاحترام، مش على إني أعدّي كل حاجة وأسكت. وآخر مرة أحمد بعت فيها هدايا، شهيرة فتحت كيسها، وطلعت منه عباية جميلة، وبعدها بصتلي وقالت: ـ إيه رأيك يا سهام؟ مش حلوة؟ ابتسمت وقلت: ـ حلوة أوي، ربنا يهنيكي بيها. ردت وهي بتضحك: ـ طب خلاص، دي بتاعتي أنا، ومحدش هيقرب منها! ضحكنا كلنا، حتى أمي اللي كانت في الأول أكتر واحدة بتتضايق من خلافاتنا. وساعتها عرفت إن العبايتين اللي بدأوا المشكلة ما كانوش مجرد هدوم، لكن كانوا سبب إن كل واحد فينا يراجع نفسه، ويعرف إن الحق ما بيضيعش لما صاحبه يطلبه بأدب، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة بتتقال وقت الخوف، لكنه تصرف بيتكرر لحد ما الثقة ترجع من جديد. وخلصت الحكاية، ورجعت العباية لصاحبتها، ورجعت الفلوس لأصحابها، والأهم إن كل واحد اتعلم إن احترام الناس بيبدأ من احترام أبسط حقوقهم.