قلب في الغربه حكايات صافي هاني

قلب في الغربة
رجعت من سفريتي بدري… واكتشفت المصيبة.
”هو الراجل ده مش ناوي يخلص تنظيف بقى؟ شوف الريحة اللي قلب بيها الصالة، كأننا قاعدين في سوق مواشي في الفلاحين!”
الكلام ده رن في ودني وأنا لسه بفتح بالمفتاح… قبل حتى ما عتبت رجلي باب البيت.
وقفت في المدخل مذهولة، المفتاح لسه مشبوك في الكالون، والشنطة في إيدي، وتعب السفر والطيارة مهد حيلي. أنا لسه راجعة حالا من مأمورية شغل برة المحافظة، قضيت فيها يجي شهر بحاله عشان أقفل عقد مناقصة كبير للشركة الهندسية اللي بشتغل فيها كمديرة مشروعات. كان المفروض أغيب شهرين، بس الحمد لله الشغل خلص أسرع مما كنت أتوقع، فقلت أرجع البيت فجأة من غير ما أقول لجوزي “كريم” وأعملهاله مفاجأة.
بس المفاجأة الصدمة كانت ليا أنا!
من عند باب الشقة، شفت منظر كسر قلبي وحت حتة من كرامتي.
أبويا، الحاج “نور الدين”، راجل عنده سبعة وستين سنة، قضى عمره كله يزرع ويشقى في أراضي بلدنا بالشرقية، كان واطي على ركبه في الأرض وبيمسح البلاط بحتة قماشة قديمة. وكان فيه سلة مقلوبة على الأرض، مدلوق منها برطمانات السمن البلدي وعسل مشروخ، والبيض مكسور، وعلب الجبنة القريش اللي كان جايبهالي معاه متدشملة في الأرض.
والهوانم قاعدين على الكنبة، حماتي “سعاد” وأخت جوزي “هناء”، حاطين رجل على رجل، بياكلوا عنب وبيتفرجوا على التلفزيون ولا كأن في حاجة!
قالت هناء بابتسامة صفرا: “نظف كويس يا عم نور… أصل بنتك ‘سلوى’ بقت تتقيأ وتعمل فينا بنت بنوت الأيام دي، وبتتضايق لو شمت ريحة الفلاحين في بيتها!”
حماتي ضحكت ببرود وقالت: “أنا برضه قلت لكريم نفس الكلام، هو أبوه كل ما يجي لازم يجر وراه الخيارات دي؟ إحنا مش ناقصنا أكل فلاحين هنا، الثلاجة مليانة خيرات ربنا، ومش ناقصين الروائح دي في الشقة!”
حسيت بنار قايدة في وشي.
أنا اسمي سلوى، عندي ستة وتلاتين سنة، بطحن نفسي في الشغل أكتر من اتناشر ساعة في اليوم. الشقة دي أنا اللي شارياها بفلوسي ومن شقايا، بعد سنين من قلة النوم والسفر والمؤتمرات والتضحيات. جوزي كريم شغال مشرف بسيط في مصنع تعبئة، وعمري في حياتي ما جرحته ولا عيرته إنه بيكسب أقل مني، وعمري ما اشتكيت إني أنا اللي شايلة أقساط الشقة، ومصاريف البيت، وحتى علاج أمه وفسح أخته وطلباتها اللي مش بتخلص!
