والدي احرجني حكايات صافي هاني

أنا مأخدتش حقي بالخناق ولا بالمحاكم ولا بقلة الأدب. أنا أخدت حقي بالنجاح. بالطبخ. باللقمة الحلوة اللي خلت كل اللي ظلمني ييجي لحد عندي وهو باصص في الأرض.
قفلت ورايا باب المطبخ، ربطت مريلتي، ومسكت المعلقة.. وبدأت أطبخ بموهبتي اللي مفيش مخلوق هيقدر يشكك فيها تاني.
مرت سنتين، وفرع التجمع اللي كنت بحلم بيه مابقاش مجرد فكرة في ملف، ده بقى حقيقة ومنور باسم “موهبة”. الشغل كبر، وبقى عندي طقم طباخين كامل تحت إيدي، بس كنت لسه بمر بنفسي على كل طبخة، لأن النفس في الأكل هو السر اللي كبرني، ومينفعش يسيب المكان.
وفي يوم جمعة، والفرع الجديد زحمة لدرجة إن الناس واقفة بره بتستنى دورها، دخلت الويتر مكتب الصالة وهي متوترة وبتقولي: “شيف.. فيه ترابيزة بره فيها عيلة كبيرة، عاملين مشكلة وعايزين يقابلوكِ شخصياً.. بيقولوا الأكل فيه حاجة مش عاجباهم”.
قلبي انقبض ثانية، لأن سمعة المكان عندي بالدنيا. عدلت جاكيت الشيف بتاعي، وأخدت نفسي وطلعت وأنا جاهزة لأي مواجهة.
أول ما وصلت عند الترابيزة، رجلي وقفت في مكانها.
كانت العيلة كلها. طنط ميرفت وبنتها، خالاتي، عمامي، ولاد عمامي اللي كبروا وبقوا في الجامعة… وفي النص، كان قاعد بابا وماما. الترابيزة كانت مليانة من كل الأصناف: حمام محشي، رقاق، فتة موزة، وطواجن.
كلهم سكتوا أول ما شافوني. بصيت عليهم، ورجعت بيا الذاكرة لسنتين ورا، لنفس اللمة ونفس الوشوش، بس الأدوار اتقبلت.
خالتي هي اللي بدأت الكلام وقالت بضحكة صفرا: “أهلاً يا شيف! إيه يا بنتي، الأكل طعمه متغير عن فرع زمان، والملح زيادة سنة.. قلنا نطلبك بنفسك تشوفي الموضوع”.
فهمت اللعبة. الغيرة والحقد لسه عايشين جواهم، ومش قادرين يشوفوا البنت اللي كسروا مقاديفها زمان وهي واقفة فوق قمتها دلوقتي، فكانوا بيحاولوا يكسروا فرحتي في وسْط مطبخي ووسط زبايني.
بصيت على الأطباق، وبعدين بصيت لبابا. بابا مكنش باصص في الأرض المرة دي، كان باصص لي مباشرة، بس عينيه كانت مليانة كلام ومشاعر عمري ما شفتها فيه قبل كده.. كان فيها فخر حقيقي، وخوف عليا من لسانهم.
وقبل ما أنا أنطق بكلمة، بابا حط شوكته على الترابيزة برنّة خفيفة فكرتني بنفس رنة الشوكة زمان.
بص لخالتي وقال بنبرة هادية بس قاطعة، نفس النبرة اللي كان بيتكلم بيها عن حالة الجو: