والدي احرجني حكايات صافي هاني

بصيت حوالين الترابيزة.
بنت خالي تهربت من عيني، وفجأة بقت مهتمة جداً برزاية في طبقها. وخالتي اللي قالت من شوية “هنشوف الطعم بقى” بقت مركزة بكل جوارحها في طبق السلطة، وشوكتها بتحرك الأكل بشكل أوتوماتيكي. وعمي بحلق في كاس المية بتاعه كأن المية فيها إجابات لأسئلة محدش سألها بصوت عالي اصلاً.
محدش قال: “الكلام ده مش صح.”
محدش قال: “بس عاجبني.”
محدش قال: “عيب تقول كده.”….
سحبت نفسي لورا، خطوة خطوة، لحد ما ضهري لمس حيطة المطبخ الباردة. مفيش حد لاحظ إني مشيت. كانوا رجعوا ياكلوا تاني، بس المرة دي في سكوت تقيل، وصوت الشوك والسكاكين بقى له رنة تخنق.
دخلت المطبخ، الحتة اللي كنت فاكراها مملكتي. بصيت على الحلل الفاضية، على البوتاجاز اللي لسه سخن، وعلى إيدي اللي لسه ريحتها توم وبصل… وإهانة. دموعي نزلت، بس مكنش عياط حزن، كان عياط غل، نوع العياط اللي بيحرق من جوه ويخليك عايز تهد الدنيا.
طلعت شقتي فوق. فتحت اللاب توب وإيدي لسه بترتعش. مكنتش بفكر، كنت بنفذ وبس. فتحت صفحة جديدة على فيسبوك وإنستجرام، وسميتها “مطبخ البنت اللي ملهاش موهبة”. نزلت أول بوست، وكتبت فيه تفاصيل العزومة دي بالحرف، وحطيت معاها صور الأكل اللي صوّرته قبل ما ينزل للسفرة… الأكل اللي اتمسح من الأطباق رغم كلامهم. وكتبت تحتها: “الأكل ده اتعمل بحب، واتأكل بقلة أصل. المنيو الأسبوعي هينزل بكرة، والطلب بأسبقية الحجز.”
قفلت اللاب توب ونمت. نمت نوم تقيل كأني كنت في حرب.
بعد أسبوعين بالتمام والكمال…
جرس باب شقتي أنا بقى هو اللي مكنش بيبطل رن.
الشارع تحت بيتنا اتقلب. عربيات مركونة صف تاني، وناس واقفة طوابير على السلم مستنية تستلم أوردراتها. “البنت اللي ملهاش موهبة” بقت “تريند” في مصر كلها بعد ما البوست بتاعي لف السوشيال ميديا، والناس دخلت تعاند في أبويا وتطلب من أكلي عشان يثبتوا له إنه غلط. الطعم هو اللي ثبتهم.
كنت واقفة في مطبخي الجديد، المطبخ اللي بيكسبني دهب، بطلع أطباق المحشي الكرنب اللي ريحتها قالبه الدنيا، وطواجن اللحمة بالبصل اللي دايبة دوب.
تليفوني رن. بصيت على الشاشة… كانت ماما.
رديت وأنا بنهج من كتر الشغل: “أيوة يا ماما، ثواني عشان بطلع أوردرات.”
صوت ماما جالي من الناحية التانية، بس المرة دي مكنش مسرسع ولا مصطنع، كان صوت واطي، مكسور، وفيه نبرة ذهول صدمتني:
