والدي احرجني حكايات صافي هاني

ماما كانت داخلة بتبص حواليها بفخر مبالغ فيه، وبتسلم على الناس وتقولهم: “أنا أم الشيف.. أنا أمها”، كأنها هي اللي وقفت في المطبخ تلات أيام تتهان. وبابا كان ماشي وراها، إيده في جيبه، باصص للاتساع بتاع المكان، للرخام، للناس اللي بتتصور مع يافطة المطعم. عينيه كانت بتلف في المكان كأنه بيحاول يلاقي غلطة، أو بيحاول يستوعب إن “عديمة الموهبة” هي صاحبة الليلة دي كلها.
ماما جريت عليا وخدتني بالحضن: “مبروك يا قلب أمك! كبرتي وبقيتي صاحبة مطعم يا فلانة!”
بصيت فوق كتفها لبابا، اللي كان واقف بعيد خطوتين. قرب براحة، وبص في عيني، ولأول مرة في حياتي مشفتش في عينيه النظرة الباردة اللي بتقلل مني. كان فيه لمعة تانية.. لمعة انكسار مغلوب بالخجل.
سلك زوره ونفس النبرة الهادية طلعت بس المرة دي صوته كان بيترعش سنة: “المكان ذوقه حلو.. والأكل ريحته قالبه الشارع.”
ابتسمت له، مش ابتسامات الشماتة ولا الغل، ابتسامة حد خلاص عدا المرحلة دي ومبقاش مستني شهادة نجاحه من حد.
وقلت له: “اتفضلوا، منورين. هخلي البنات ينزلولكم أحسن ترابيزة وأحلى أكل.”
قعدوا على ترابيزة في النص. وتابعتهم من بعيد وهم بياكلوا. شفت بابا وهو بياخد أول قطمة من طاجن اللحمة، شفته وهو بيغمض عينيه ويمضغ براحة، كأنه بيدوق طعم الحقيقة اللي حاول ينكرها سنين. شفته وهو بيهز رأسه لماما ويقولها حاجة، وماما بتبتسم وبتشاور عليا.
في اللحظة دي، حسيت إن الحمل كله انزاح من على كتافي. الوجع اللي عشته ليلة العزومة، وريحة التوم والإهانة اللي كانت في إيدي، كل ده اتمسح. بابا مأعتاذرش بلسانه، وعمره ما هيقول “أنا آسف”، بس نظرة عينه وهو بياكل من أكلي في مطبخي وبفلوسي، كانت أكبر اعتذار وأقوى رد.
لما الليل ليل والمطعم بدأ يفضى، وقفت بره في الهواء النظيف، بصيت ليافطة المطعم المنورة بالنيون، وأخدت نفس طويل قوي… وأخيراً، حسيت إني حرة.
بعد ليلة الافتتاح دي، المطعم مبقاش مجرد مشروع ناجح، ده بقى مزار. الناس كانت بتجيلي من محافظات تانية عشان تجرب أكل “البنت اللي ملهاش موهبة”. وبقيت بشتغل ليل نهار، مش عشان أثبت حاجة لحد خلاص، أنا أثبتّ كل حاجة لنفسي، وبقيت بشتغل عشان بحب اللقمة اللي بطلعها للناس.
العلاقة مع أهلي أخدت شكل جديد. مكنش فيه خناق، ومكنش فيه عتاب، بس بقى فيه حدود. حدود هما اللي بيعملولها ألف حساب.