والدي احرجني حكايات صافي هاني

في عزومة عيلتنا، بابا رفع كاسه وقال: “خلونا نكون صرحا، مفيش حد بيحب أكلك.” ماما ضحكت. وأربعين فرد من العيلة سكتوا تماماً. أنا قضيت تلات أيام بطبخ عشانهم — والليلة دي، وإيدي لسه ريحتها توم وإهانة، فتحت اللاب توب بتاعي وأخدت قرار. بعد أسبوعين، كان فيه غُرب واقفين طوابير عشان يدوقوا أكلي… وأهلي عرفوا عني من ناس تانية….
جرس الباب رن. والأصواتملت الممر. هدوء مطبخي اللي كان عامل زي دولة مستقلة اتقلب لزحمة وزيارة مفاجئة.
عمامي وخالاتي وصلوا ورا بعض زي الموج: ريحة برفيوم، كولونيا، بوسات مجاملة في الهواء، ترحيب عالي، وحركة حذرة لشنط الهدايا وبوكيهات الورد اللي جايبينها لجدتي. بعدهم دخلوا ولاد عمامي وخالاتي، ريحتهم مشوار عربية وسبراي جسم، وعينيهم مبحلقة في الموبايلات حتى وهم بيسلموا.
الناس بدأت تتحرك ناحية السفرة، مشدودين بالريحة. أنا كنت واقفة على جنب، بمسح إيدي بتوتر في المريلة، وبحاول أبان هادية وطبيعية بس فشلت تماماً.
خالتي بلمت وهي بتبص على السفرة وقالت: “واو، أنتِ طالبه كل ده من بره؟”
ماما ردت: “هي اللي طبخاه.”
حواجب خالتي اترفت. لفت وبصتلي، جابتني من فوق لتحت كأنها بتتأكد إن عندي المقومات الأساسية للبني آدم اللي يقدر يأكل أربعين فرد من غير ما يسممهم.
سألتني: “أنتِ اللي عملتي كل ده؟”
قلت لها وأنا بضغط على صوتي عشان يبان ثابت: “آه، بقالي كام يوم شغالة عليه.”
هزت رأسها، وضغطت على شفايفها بابتسامة موصلتش لعينها أصلاً. وقالت بنبرة خفيفة فيها هزار: “طيب، هنشوف الطعم بقى.”
ضحكت وراحت مخبطة على دراعي كأنها دمها خفيف. بالنسبة لأي حد تاني، الجملة هتبان عادية، مجرد نكشة هزار لطيفة. بس أنا كبرت وأنا فاهمة النبرات دي كويس، وفاهمة لغة التلقيح والنص هزار اللي بيبقى مستخبي تحتها سم قاتل.
بس ابتسمت لها برضه وقلت بصوت هادي: “هتشوفي.”
الناس بدأت تغرف في أطباقها أول ما جدتي وصلت، وهي غرقانة في الاهتمام وبترد بكسوف: “يا جماعة أنا مش عكوزة للدرجادي” و”مكنش ليه لزوم كل التعب ده”، مع إننا طبعاً كان لازم نعمل كل ده. في العيلة دي، لازم دايما تعمل كل ده.
كنت واقفة جنب البوفيه وفي إيدي معلقة غرف كبيرة، بزود الأطباق كل ما تفضى. وبراقب ولاد عمامي وهم بيملوا أطباقهم بكميات كبيرة، وسمعتهم بيهمسوا: “شكلة حلو أوي”. عمي هاني، اللي معروف عنه إنه قارفنا في أكله وصعب يعجبه العجب، أخد معلقة بحذر يدوق، وبعد دقيقتين رجع تاني عشان ياخد أكتر.