والدي احرجني حكايات صافي هاني

​ماما بقت بتتصل بيا كل أسبوع، تسأل عن صحتي، وتدعيلي، وفي آخر المكالمة تقول بنبرة فيها رجاء: “أبوكي نفسه في طاجن عكاوي من إيدك يا بنتي.. لو مش هتعطلك عن الشغل يعني”. وبابا؟ بابا مابقاش بيعلق على الجو، ولا بقيت أسمع منه جمل باردة. لما كان بيجي المطعم مع ماما، كان بيقعد في أبعد ترابيزة، ياكل لقمته في سكات، ولما يمشي، كان يسيب “تبس” كبير قوي للبنات الشغالين، كأنه بيحاول يدفع تمن الكلمة اللي قالها زمان بالربا.

​وفي يوم، بعد حوالي سنة من فتح المطعم، كنت قاعدة في مكتبي الصغير جوه، براجع حسابات الشهر. لقيت المتر بيخبط على الباب وبيقولي: “شيف.. فيه راجل بره عايز يقابلك ضروري، رافض يقعد على ترابيزة وقال مش هيمشي غير لما يشوفك”.

​طلعت وأنا مستغربة. أول ما وصلت الصالة، لقيت عمي هاني.. عمي اللي مبيجاملش، واللي كان أول واحد رجع ياخد دور تاني يوم العزومة المشؤومة.

​كان واقف لابس بدلة شيك، وفي إيده ملف. أول ما شافني، وشه نوّر وجالي بسرعة: “يا مبروك يا بنتي.. بسم الله ما شاء الله، المكان يفتح النفس”.

سلمت عليه بحفاوة: “أهلاً يا عمي، منور المطعم، اتفضل اقعد”.

​قعدنا، وطلب تفتيح كلام بقهوة، وبعدين فتح الملف اللي معاه وحطه قدامي وقال: “بصي يا فلانة.. أنا بكلمك دلوقتي كـ رجل أعمال، مش كـ عمك. أنا بتابع نجاحك من أول يوم، والاسم بتاعك ده بقى براند قوي جداً. أنا معروض عليا قطعة أرض في التجمع، ومستعد أدخل معاكي شريك بتمويل كامل عشان نفتح الفرع التاني.. فرع يليق باسمك”.

​بصيت للملف، وبعدين بصيت لعمي. افتكرت يوم ما كان قاعد على السفرة، وباصص في كاس المية بتاعه وسكت ومقالش كلمة حق في وش أبويا.

​ابتسمت براحة، وقصّرت المسافة: “والله يا عمي.. أنا يشرفني طبعاً إنك شايف شغلي ناجح للدرجادي. بس أنا حالياً مش بفكر في الشراكة. الفرع التاني أنا هأفتحه لوحدي، ومن مجهودي.. زي ما بدأت الأولاني بالظبط”.

​عمي لّم الورق براحة، وفهم الرسالة. هز رأسه باحترام وقال: “حقك يا بنتي.. وربنا يوفقك، أنتِ تستاهلي كل خير”.

​لما مشي، وقفت ورا الكاونتر وبصيت على صالة المطعم المليانة بالناس، وصوت الضحك والكلام وصوت الشوك والسكاكين وهو بيخبط في الأطباق… بس المرة دي المزيكا كانت مبهجة، مفيهاش أي تقُـل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *