والدي احرجني حكايات صافي هاني

عدت لحظة — وقت قصير وهش جداً — حسيت فيه إن كل حاجة ممكن تعدي على خير.
صوت الشوك والسكاكين وهي بتخبط في الأطباق. الأصوات داخلة في بعضها. حد سألني: “إيه البهارات اللي حطاها هنا؟ طعمها غريب وحلو.” وحد تاني سألني لو كان الخضار مشوي بعسل ولا بحاجة تانية. الناس بدأت تقوم تاخد دور تاني… وتالت.
بعد عشر دقائق من العشا، حسيت بالقفشة اللي في صدري بدأت تفك. وأخيراً أخدت نفسي.
وفجأة، بابا سلك زوره.
موقفش. معلاش صوته. مخبطش بإيده على الترابيزة. هي دي الفكرة في بابا: أوحش جمل بيقولها دايماً بتطلع منه كأنه بيتكلم عن حالة الطقس.
حط الشوكة من إيده براحة وعملت صوت خبطة خفيفة، وتكلم بصوت عالي كفاية بس عشان الناس اللي حواليه يسمعوه — عيلتنا، ضيوفنا، الناس اللي ليهم قيمة في كوكبه الصغير.
قال ببرود، بنفس النبرة اللي بيعلق بيها على زحمة المرور: “يعني، خلونا نكون صرحا. مفيش حد فعلاً بيحب أكلك.”
الكلمة كانت كأن حد داس “إيقاف مؤقت” في الأوضة كلها.
الوش مأقطعش مرة واحدة؛ الصوت اتهز، تعثر، وحاول يكمل. ضحكة هنا، صوت خبطة هناك. بس صدى كلامه انتشر بسرعة. شفت الكلام وهو بيتمسح من وشوش الناس وهم بيلفتوا يبصوا له، وبعدين يبصوا لي.
ماما ضحكت ضحكة خفيفة، من النوع المسرسع والمصطنع اللي بيوجع السنان. وقالت وهي بتأيد كلامه: “آه فعلاً، الناس بس بتجامل.”
طلع وراها كام ضحكة تانية مكسوفة، من نوع الضحك اللي الناس بتطلعه لما يبقوا مش عارفين المفروض يقفوا في صف مين.
حسيت بصدري بيتقبض بسرعة لدرجة توجع. معلقة الغرف اللي في إيدي فجأة بقى وزنها طن. كفوف إيدي عرقانة؛ وبقي ناشف تماماً، رغم كاس المية اللي لسه شرباه من شوية.
في آخر الترابيزة، واحدة من قرايبي — من النوع الهادي — همست: “بس هو بجد حلو”، قالتها بصوت واطي لدرجة إني بالعافية سمعتها.
بس بابا مسمحش للدفاع الصغير ده يعيش أكتر من ثانية. قال وهو بيقطع الكلام على الترابيزة: “عادي، مش كل الناس عندها موهبة.”
نطق كلمة — موهبة — كأنه بيتكلم عن عيب خلقي أنا معرفتش أكبر وأتخلص منه. كأن فيه جين موهبة في شجرة العيلة بتاعتنا جه عندي أنا بالذات وعمل “تخطي”، وهو بكل بساطة بيوضح الحقيقة دي كأمر واقع.
فضلت واقفة مكاني، متبنجة، وماسكة معلقة الغرف. وفي خيالي، شفت نفسي من فوق — شكل بنت بمريلة مطبخ متبهدلة، واقفة جنب جبل من الأكل شقيت فيه لأيام. شفت شكلي قد إيه مسخرة ومثير للشفقة: عشمنا، وملهوفة، ومستنية كلمة حلوة من ناس واضح إنهم كاتبين تقييمهم ورأيهم من قبل ما يدوقوا قطمة واحدة.