والدي احرجني حكايات صافي هاني

“يا بنتي… طنط ميرفت صاحبتي لسه مكلماني، بتقولي إن بنتها واقفة في طابور بقالها ساعة عشان تشتري أكل من صفحة مكسرة الدنيا… وبتقولي إن صاحبة الصفحة دي تبقى أنتِ… هو الكلام ده بجد؟”
سكت ثانية، أخدت فيها نفسي، وبصيت من شباك المطبخ على طابور الناس اللي واقفة مستنية أكلي في الشارع، وقلت لها بكل برود، بنفس النبرة اللي بابا كلمني بيها في العزومة:
”آه يا ماما، بجد. بس قولي لطنط ميرفت تخلي بنتها تمشي… عشان الأكل كله حجز، ومفيش نصيب تدوق.”
سمعت صوت نفس ماما وهو بيهرب منها على الناحية التانية من الخط. فضلت ساكتة كام ثانية، كأنها بتحاول تستوعب إن البنت اللي كانت واقفة مكسورة في صالة بيتها من أسبوعين، هي نفسها اللي بترد عليها دلوقتي بالقوة دي.
قالت بصوت متلخبط ومتردد: “أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ طنط ميرفت دي صاحبتي الأنتيم، وعيب لما بنتها تقف في الشارع كده ومتاخدش.. وبعدين أبوكي لو عرف..”
قاطعتها بابتسامة باردة مسموعة: “أبويا؟ ماله أبويا يا ماما؟ مش هو قال مفيش حد بيحب أكلي؟ تلاقيه بس زعلان على وقت الناس اللي ضايع في الطابور ده.. معلش، هقفل أنا بقى عشان الزباين.”
قفلت السكة قبل ما تسمع منها كلمة تانية.
الريتّ مكنش بيهدى. المطبخ الصغير بتاع شقتي اتقلب لخلية نحل. جبت اتنين بنات من جيراني يساعدوني في التغليف والتقفيل، وصوت خبط الحلل وتكة قفل علب الفويل بقى هو المزيكا اللي بتطربني كل يوم. الناس كانت بتكتب ريفيوهات تبكي من كتر الحلاوة؛ اللي يقول “الحواوشي ده فيه سر”، واللي تقول “البشاميل ده بيفكرني بأكل ستي زمان”.
بعد شهر، البيدج وصلت لنص مليون متابع. وفي يوم، جالي إيميل من بروجرام طبخ معروف جداً في التلفزيون بيطلبوني أطلع في حلقة خاصة عن “مشاريع الأكل الناجحة من البيت”.
وافقت.
يوم التصوير، كنت واقفة في الاستوديو بكامل أناقتي، مريلة الطبخ بتاعتي كانت جديدة وبيضا زي الفل، وشعري معمول، وثقتي في نفسي كانت واصلة للسما. المذيعة سألتني في نص الحلقة: “الشيف فلانة.. إيه السر وراء نجاحك السريع ده؟ وإيه اللي خلاكي تبدأي أصلاً بالاسم الغريب ده (البنت اللي ملهاش موهبة)؟”
بصيت للكاميرا مباشرة، وأنا عارفة ومتأكدة إن الشاشة دي دلوقتي شغال في صالة بيت أهلي، وإن أبويا قاعد مكانه على الكنبة بيشرب شاي، وماما جنبه حاطة إيدها على خدها.