بعد وفاة جوزها حكايات صافي هاني

​بصيت لوشه المكسور، وطبطبت على كتفه بهدوء. مخدتوش في حضني زي زمان، ومقولتلوش “حصل خير”، بس قلتله بنبرة هادية وفيا رزانة: “أنا سامحتك يا بني… بس عشان نفسي وعشان أعيش اللي باقيلي في سلام، مش عشان أرجع زي زمان. أنا جيت بس أقولك إن الأمومة متمتتش، بس الست اللي كانت بتداس عشان الكل يعيش… هي اللي ماتت في ميامي من سنة.”

​طلعت من شنطتي ظرف صغير فيه مبلغ بسيط يساعده يبدأ من جديد، حطيته في إيده، ولفيت ضهري ومشيت.

​وأنا طالعة السلم ورايحة على شقتي الجديدة الصغيرة اللي مأجراها على البحر، كنت عارفة إن الرحلة اللي مدتها سنة خلصت… بس رحلة حياتي الحقيقية، لسه بادية حالا.

 

الشارع كان هادي، ونسمة البحر كانت بتخبط في وشي وأنا بتمشى في طريقي لبيتي الجديد. لأول مرة من سنين طويلة، مكنتش حاسة بالتقل اللي كان دايماً كابس على نفسي؛ لا كنت حاسة بذنب إني سيبته، ولا كنت حاسة بوجع من اللي عمله فيا. أنا كنت حرة تماماً.

​الشقة الجديدة كانت في الدور الثالث، صغيرة على قدي، بلكونتها بتبص على المحيط علطول. أول ما دخلت، حطيت شنطتي الزرقا جمب الباب، ورحت فتحت البلاكونة على الآخر. الهوا دخل ملى المكان بريحة اليود والملح اللي بقيت بعشقها.

​قعدت على كرسي هزاز خشب كنت اشتريته، وبصيت على الصالة… مفيش أقفاص، مفيش كراكيب بتاعة حد تاني، مفيش حد مستني مني أطبخ أو أغسل أو أنظف وراه. المكان كان نضيف، وهادي، وبتاعي أنا وبس.

​طلعت من شنطتي صورة إرنست الصغيرة، وحطيتها على تربيزة جمب الكرسي، وولعت جمبها شمعة بريحة الفانيليا. بصيت لملامحه في الصورة وقلتله بصوت واطي: “خلاص يا حبيبي، الديرة لفت، وكل واحد أخد نصيبه في الدنيا. أنا عملت بأصلي لحد آخر نفس، ولما حقنا رجع، رجع بالعدل.”

​تليفوني رن… كانت السيدة ماري جارتي القديمة.

رديت عليها وضحكت: “أيوة يا ماري، أنا رجعت.”

قالتلي بصوت كله فرحة: “حمد لله على سلامتك يا تيريزا! وحشتيني يا ست الستات.. قوليلي، ناوية تعملي إيه دلوقتي؟”

​بصيت للبحر اللي ملوش آخر قدامي، وابتسمت من قلبي: “ناوية أعيش يا ماري… ناوية أشرب قهوتي الصبح وهي سخنة، وأقرا الروايات اللي كنت بركنها على الرف، وأتمشى على الشط لحد ما رجلي توجعني. ناوية كل يوم أفتكر إن عمري ما كان رخيص، وإن الواحد لما بيقرر يشتري نفسه، مفيش أي تمن في الدنيا بيبقى غالي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *