بعد وفاة جوزها حكايات صافي هاني

قفلت مع المحامي، وبصيت للبحر الواسع قدامي.
حسيت بشفقة؟ يمكن. بس مش ندم.
الابن اللي مابكاش على أبوه، ومفكرش في أمه وهي لسه بتراب المقابر على رجليها، يستاهل يتعلم الدرس ده. هما مكنوش بيحبوني أنا، هما كانوا بيحبوا “الخدمات” اللي بقدمها.
قفلت التليفون تاني، ورجعت لكرسي البحر بتاعي، مسكت عصير ليمون بارد، وابتسمت وأنا بشوف الشمس وهي بتغرق في المحيط. السنة لسه في أولها… وأنا لسه عندي بلاد كتير اأتشوفها.
مرت الشهور، والسفينة كانت بتنقلني من بلد لبلد، ومن بحر لبحر. زرت إيطاليا، ومشيت في شوارع اليونان البيضا، وأكلت في أسواق إسبانيا. في كل مكان كنت بزوره، كنت بشتري كارت بوستال صغير، وأكتب عليه كلمة واحدة بس: “عايشة”، وأبعته على عنوان المحامي بتاعي، وهو كان بيبعته لأوستن. مش عشان أغيظه، لأ… عشان يفهم إن الحياة مبتقفش على حد، وإن الأم اللي افتكرها ماتت بالحيا، لسه فيها روح وبتلف العالم.
شكلي اتغير تماماً؛ الوش المجهد والعيون الدبلانة من السهر والتفكير اختفوا. بشرتي بقيت نضرة من شمس البحر، وضحكتي رجعت ترن من تاني زي أيام زمان قبل ما أشيل هم الدنيا. بقيت أصحى الصبح أتمشى على سطح السفينة، أتنفس الهوا النضيف، وأبص للأفق وأنا حاسة بسلام داخلي عمري ما دوقت زيه.
وفي أخر شهر في الرحلة، والسفينة راجعة في طريقها لميامي، فتحت الإيميل بتاعي لقيت رسالة من المحامي، ومعاها صورة لأوستن.
مبقتش أعرفه؛ وشه كان خاسس، ودقنه طويلة، ولابس قميص دبلان ومش ميكوي. المحامي كتبلي إنه اشتغل شغلانتين عشان يقدر يسدد ديونه ويرجع مراته وابنه، وإنه بقاله سنة عايش في شقة قبو صغيرة تحت الأرض. المحامي قالي: “أوستن بقاله سنة بيروح مكتب المحكمة كل أسبوع يسأل لو في أي طريقة يتواصل بيها معاكي، مش عشان فلوس، هو عرف إن كل مليم اتصرف في الرحلة… هو بس عايز يسمع صوتك.”
لما السفينة رست في ميناء ميامي، ونزلت ورجلي لمست الأرض، مكنتش حاسة بأي غل. الغضب اللي جوايا كان اتبخر تماماً وحل محله هدوء غريب.
ركبت تاكسي ورحت على العنوان الجديد اللي المحامي ادهولي. نزلت السلم الضيق بتاع القبو، وخبطت على الباب الحديد المصدي.
الباب اتفتح، وظاهر أوستن. أول ما شافني، عينه اتملت دموع، وبقّ سقط من الصدمة. ومسك في إيدي وباسها وهو بيعيط بحرقة ويقول: “أمي… أنا آسف، أنا آسف على كل حاجة.”