بعد وفاة جوزها حكايات صافي هاني

​لأول مرة من أربعين سنة، قعدت على كرسي ومفيش ورايا طبخ، ولا غسيل، ولا حد بيطلب مني حاجة. الهوا الطاير كان بيطير معاه كل الهموم اللي شيلتها فوق كتافي.

​أوستن وكلوي دلوقتي زمانهم بيحصدوا اللي زرعوه؛ البيت اللي كانوا مستنيين أموت عشان يورثوه، بعته قبل الجنازة بكام يوم، والفلوس كلها في حسابي الجديد. هما افتكروا إن سكوتي ضعف، وافتكروا إن الأمومة معناها إني أفضل شمعة تحترق لحد ما تخلص خالص… بس نسوا إن الشمعة لما بتخلص، المكان كله بيظلم.

​بصيت للسما وقلت: “ارتاح يا إرنست… أنا أخدت حقي، وحقك.” ومن اليوم ده، بدأت حياتي أنا.

 

كل ما السفينة تدخل في غريق البحر، كل ما كنت بحس إن نفسي بيرجعلي.

​أول أسبوع في الرحلة كان غريب عليا، كنت بصحى مخضوضة الساعة ستة الصبح فاكرة إن ورايا فطار لازم يتعمل أو دوا لازم يتدق، بعدين أفتكر… أنا في الجنة. بقيت أنزل المطعم الفخم بتاع السفينة، أطلب أكل معرفش حتى اسمه، وأقعد آكل بمزاج ومن غير استعجال، مفيش حد هيقولي “الأكل مسخ يا أمي” ولا حد هيسيب طبقه ويمشي متأفف.

​اشترت كام فستان مبهجين من محلات السفينة، وسيبت شعري للهوا، وبقيت أسهر أسمع مزيكا في وسط ناس ميعرفونيش ولا يعرفوا أنا مين، بس بيعاملوني باحترام لمجرد إنني إنسانة موجودة معاهم.

​بعد شهرين، في محطة من محطات الرصيف في المكسيك، فتحت تليفوني بشريحة تانية جديدة خالص، بس عشان أطمن على الإجراءات من المحامي بتاعي.

المحامي ضحك أول ما سمع صوتي وقال لي: “الست تيريزا! انتي قالبه الدنيا هنا.”

​عرفت منه اللي حصل؛ أوستن وكلوي طردوا من البيت بقوة القانون لأن الملاك الجداد استلموا حاجتهم. أوستن حاول يرفع قضية حجر عليا وحاول يثبت إني مش في وعيي، بس المحامي صدمه بتقرير اللجنة الطبية اللي أنا عملته قبل ما أسافر بأسبوع، واللي بيثبت إني في كامل قوايا العقلية. لما مالقاش فايدة، اتفاجئ إن الشقة اللي هما مأجرينها ومفتاحها معايا، صاحب الملك طردهم منها هي كمان لأن الإيجار مأدفعش بقاله شهرين… هما كانوا معتمدين على فلوس المعاش بتاعي عشان يدفعوا إيجارهم!

​المحامي قالي إن أوستن باعتلي رسالة معاه، بيقولي فيها: “أمي.. احنا بنموت، كلوي سابتني وأخدت الولد وراحت عند أهلها، وأنا قاعد في بنسيون رخيص ومش لاقي آكل، أرجوكي ارجعي وسامحينا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *