بعد وفاة جوزها حكايات صافي هاني

​في حاجة جوايا اتكسرت، ومكنش غضب، كان فواق تام.

بصيت للأقفاص، وبصيت لابني، وابتسمت:

“من عيوني يا حبيبي، سيبهم معايا.”

كلوي رفعت حاجبها واستغربت إني وافقت بالسهولة دي.

“سيبنالك كمان المفتاح الاحتياطي لشقتنا عشان لو احتجتي تجيبى أكل زيادة.”

أوستن باسني من أورتي زي ما يكون بيبوس حتة موبيليا قديمة في البيت: “تسلمي يا أمي، طول عمرنا بنعتمد عليكي.”

​طول عمرنا بنعتمد عليكي… ده اللي كنت فيه بالنسبالهم، حساب مفتوح، سرير فاضي، ثلاجة مليانة، ست عجوزة مصلحة.

​الليل ده، بعد ما مشيوا، ما عيطتش.

طلعت شنطتي الزرقا من الدولاب، لميت فيها تلات فساتين، والصندل بتاعي، والريحة اللي إرنست جابهالي قبل ما يمرض، والملف بتاع الأوراق القانونية اللي المحامي بتاعي جهزهالي في السكات.

بعدها كلمت السيدة ماري جارتي: “هو ابن أختك لسه يقدر ييجي ياخد الحيوانات؟”

قالتلي: “آه يا تيريزا، الملجأ جاهز ومستنيهم فعلاً.”

​على الساعة أربعة الصبح، كانت الصالة نظيفة تماماً، والأقفاص فاضية، والشموع اللي جمب صورة إرنست اتطفت. وعلى الترابيزة، سبت ورقة مطبقة جمب مفاتيح بيتي.

مكتبتش فيها “أنا آسفة”، ولا “بحبكم”، كتبت:

“أوستن، لما تقرأ ده، متمسكش التليفون وتشتكي… كلم المحامي بتاعك.”

​الساعة خمسة ونص، ركبت تاكسي رايح على ميناء ميامي. الدنيا كانت لسه ليل، ولأول مرة من سنين، إيدي مكنتش تقيلة بطلبات البيت ولا المشاوير ولا الإحساس بالذنب… مكنش معايا غير الباسبور وبس.

​تليفوني بدأ يرن ويهتز ورا بعضه أول ما نورت أنوار الرصيف بتاع

 

السفينة. كانت كلوي، وبعدها أوستن، وبعدين كلوي تاني. ميردتش.

السفينة كانت ضخمة، بيضا وبتبرق، ومنورة كأنها مدينة عايمة فوق المايه.

​وقبل ما خطوتي تدوس على السفينة، فتحت آخر رسالة من ابني:

“أمي، انتي عملتي إيه؟ في واحدة من المحكمة واقفة على الباب وبتقول إن البيت مابقاش بتاعنا خلاص!”

​ابتسمت وأنا ببص للبحر بره.

وفي ثانية وصلت رسالة تانية، المرة دي كانت صورة. أوستن واقف في وسط الصالة، وشه أصفر زي الأموات، وماسك الورقة بتاعتي… ووراه بالظبط على الترابيزة، كنت شايفة المجلد التاني اللي سبتهاله ومكتوب عليه اسمه بوضوح.

أبحرنا والسفينة بدأت تتحرك، والموج بياخدني بعيد عن كل سنين التعب دي. قفلت التليفون خالص وشيلت الشريحة رميتها في البحر؛ مش عايزة أسمع صريخهم ولا مبرراتهم، الرحلة دي بتاعتي أنا وبس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *