ابني صدمني 2
محمد تجاهل الضابط تماماً، وخطا خطوتين لقدام وهو باصص لأمه بنظرة كلها وعيد وغضب أعمى، وقال بصوت عالي بيتردد في أرجاء المكتب:
”قومي معايا حالاً يا أمي! بطلي لعب العيال ده، إنتِ مش فاهمة إنتي بتعملي إيه في نفسك ولا فيا! الشيك ده بتاعي، وفلوس البيت هترجعلي غصب عن الكل!”
الحاجة أم محمد ما اتحركتش من مكانها سنتيمتر واحد. رفعت راسها بهدوء تام، وبصت له نظرة خلت الدم يقف في عروقه، نظرة أم شافت ابنها بيموت قدام عينها واختارت تقفل الكتاب للأبد.
فتحت شنطتها ببطء شديد، وطلعت الشيك أبو 10 مليون جنيه، مزقته لنصفين قدام عينه وهو بيصرخ، وقالت بصوت مرعب من شدة هدوءه:
”الشيك اهو يا محمد… اتبخر. والبيت اللي ضحيت بعمري عشان أجيبه، عرفت قيمته لما بعته، وعرفت إنك ما تستاهلش ترابه.”
قبل ما محمد يجنن ويهجم عليها، كان الضابط أشار للعساكر اللي هجموا عليه وكتفوه على الأرض وهو بيصرخ بجنون:
”سيبوني! دي أمي! أنتِ دمرتيني يا أم محمد! دمرتيني!”
أم محمد وقفت، عدلت طرحتها السوداء، مسكت شنطتها اللي فيها ملفات النصب والفلاشة، ورمت عليه نظرة أخيرة خالية من أي ملامح—لا حب، لا كره، لا عتاب، فراغ تام.
مشت بخطوات ثابتة وخرجت من باب القسم، وسابت وراها ابنها وهو بيجرجر على الطين، بينما أبواب السجن بتقفل عليه وعلى كل سنين الكذب والنصب.
برة القسم، الهوا كان خفيف، والدنيا بتنور بنور الفجر الجديد. ولأول مرة من سنين طويلة، حسّت أم محمد إنها بترتنفس الهوا لوحدها… وبكل حرية.ركبت التاكسي وهي باصة من الشباك على الشوارع اللي بدأت تصحى على نور الصباح. الهساوس والصوت العالي اللي كان ملازمها سنين اختفى، ومبقاش باقي غير صوت الهوا الهادي.
فتحت شنطتها، وطلعت الكشكول القديم اللي كتبت فيه أسئلتها الصبح. شطبت على التلات أسئلة بخط عريض وواضح، وكتبت تحتهم جملة واحدة بس:
”عشت عشان غيري… والنهارده، هعيش لنفسي.”
وصلت الشقة الإيجار الفاضية، فتحت الباب ودخلت. قعدت على نفس الكرسي قدام الترابيزة، ولأول مرة من عمر طويل، حست إنها مش شايلة هم حد ولا خايفة على بكرة. غمضت عينيها وهي مستسلفة أول طعم حقيقي للراحة والهدوء.بس السكون ده مكملش كتير.
قبل ما الهادئة تتمكن منها وتغمض عينيها بجد، سمعت صوت خبطات خفيفة على باب الشقة الإيجار البسيط. خبطات مترددة، كأن اللي برة خايف يزعجها.