بعد وفاة مراتي 1حكايات صافي هاني

قربت منها خطوة بخطوة، وصوتي كان طالع خافت ومرتعش:
“أنتِ مين؟ وعرفتيني منين؟ وأم مراتي.. أقصد.. أمل كانت بتجيلك هنا بتعمل إيه؟”
بصتلي وبحسرة واضحة في عيونها، ووطت لمّت الحاجة اللي وقعت، وقالت بصوت مكسور:
“أنا كارولين يا فندم.. بنت صاحبة البيت القديمة، واللي مدام أمل أنقذت حياتي ووقفت جنبي بعد الحادثة اللي حرمتني من مشري وكسرتني قدام الدنيا كلها.. مرتك الله يرحمها ما كانتش مجرد ضيفة، دي كانت الأمان اللي حارمني منه القدر.”
فضلت واقف مكانها، عقلي مش قادر يستوعب. أمل الإنسانة الهادية البسيطة اللي قضت حياتها بين البيت، وطلبات كريم، ورعايتي.. عندها سر بالحجم ده؟ حياة كاملة بعيدة عني؟
كارولين شافت حالة التيه اللي كنت فيها، شورت لي بإيد مرتعشة على الكنبة وقالت بصوت دافي:
“اقعد يا أستاذ محمود.. شكلك تعبان، وأنا هحكيلك كل حاجة من البداية، وكل ورقة سابتها مدام أمل ليك.”
قعدت وأنا حاسس إن السنّين اللي عشتها معاها كانت مجرد قشرة خارجية، وإن الست اللي دفنتها من أسبوع كان ليها عالم تاني خالص ماكنش ليا نصيب فيه.
بدأت كارولين تحكي، وكل كلمة كانت بتنزل على قلبي زي الصاعقة:
أمل كانت بتجيلها من سنين، من ساعة ما كريم دخل الجامعة وبدأ يبعد ويستقل بنفسه. أمل لقت في المكان ده هنا، وفي مساعدة كارولين اللي فقدت قدرتها على الحركة بشكل مؤقت، هدف حقيقي ومعنى جديد للحياة. كانت بتشتريلها الدوا، تطبخلها، وتسمع همومها، وفي الغالب.. كانت بتهرب من جفاف البيت اللي عملناه أنا وكريم، وبتهرب من جحود ابننا اللي أنكر فضل أمه من أول يوم استغنى فيه.
وفجأة، قامت كارولين وطلبت مني أفتح الدرج القديم اللي في الصالة.
فتشته.. ولقيت جواه ظرف مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب بخط إيد أمل الواضح:
*(إلى زوجي الحبيب.. مهندس محمود، الصنديد اللي عمره ما انكسر.. سامحني لو خبيت عنك، بس الحقيقة دي كانت لازم تتكشف في الوقت المناسب).*
فتحت الجواب، وعيني اتسحبت على السطور الأولى..
لقيت مكتوب جواه تفاصيل “عقد الملكية” اللي سابتهولي، واللي بيثبت إن الأرض دي كلها، وبمساحتها الشاسعة، دخلت ضمن مشاريع تطوير كبرى، وقيمتها السوقية دلوقتي بتعادل أضعاف أضعاف فيلا الساحل اللي كريم فرحان بيها وناوي يبيعها!
بس المفاجأة الأكبر.. لم تكن في الفلوس.
