قبل فرحي2 حكايات صافي هاني
فتحت عيني ببطء، لقيت نفسي في المستشفى، ريحة المعقمات خانقة، وصوت أجهزة رسم القلب بيعمل “بيب.. بيب” بانتظام جنوني. أول ما استوعبت المكان، حاولت أقوم، بس جسمي كله كان متكتف بضمادات.
دخلت ممرضة وشافتني فايقة، نادت الدكتور فوراً. دخل الضابط اللي كان على التليفون معايا، كان باين عليه الإرهاق، وقعد قدامي بجدية وقال: “حمد لله على السلامة.. أنتي كنتِ بطلة، لولا مكالمتك دي كان زمان القائمة اللي لقيناها في البيت زادت اسم جديد.”
سألته بصوت متقطع: “أحمد.. هو.. هو فين؟”
الضابط اتنهد وبص للأرض لحظة، وبعدين بص لي بتركيز: “أحمد فضل يقاوم لآخر لحظة، كان عايز يخلص عليكِ قبل ما يهرب.. اضطرينا نستخدم القوة. بس اللي لقيناه في الشنطة والبيت كان أبشع مما تتخيلي. مش بس البنت اللي كانت مفقودة من 10 سنين، ده طلع معاه ملفات كاملة، صور، وتذكارات من ضحايا تانيين.. أحمد مكنش خطيب، كان كيان مريض متخفي ورا وش الملاك اللي صدقتيه.”
قلبي وجعني أكتر لما عرفت الحقيقة كاملة.. ده مكنش مجرد مجرم عادي، ده كان “صياد” بيختار ضحاياه بعناية، وأنا كنت قاب قوسين أو أدنى من إني أكون مجرد “ذكرى” تانية في شنطته البينك.
فجأة، الممرضة دخلت بوش شاحب وقالت للضابط: “يا فندم، في حد واقف بره، بيقول إنه يعرفها وعايز يدخل بأي طريقة.. بيقول إنه كان شاهد في الق*ضية دي من سنين.”
الضابط استغرب: “شاهد إيه؟ مفيش حد يعرف بالمكان ده غيرنا!”
قبل ما الضابط يقوم، سمعت صوت “دندنة” خفيفة جاية من ورا باب الغرفة.. نفس اللحن اللي كان “أحمد” بيدندن بيه وهو بيقلب في الكراتين فوق السندرة، ونفس اللحن اللي كان بيغنيه وهو بيولع في الحمام!
بصيت للضابط برعب، ولقيت الباب بيتحرك ببطء شديد، والإضاءة في الغرفة بدأت تتهز وتترعش، والصوت بدأ يعلى.. “أحمد” مكنش لوحده.. كان فيه “حد” تاني مكمل اللعبة.
الضابط شد سلاحه وقام وقف، بس الباب اتفتح على آخره، ومكنش فيه حد.. بس على الأرض، كانت فيه “شنطة بينك” صغيرة محطوطة في نص الغرفة، ومفتوحة، وطالع منها نفس الريحة اللي كانت في البيت.. ريحة الجاز!الهدوء اللي ساد الغرفة كان أرعب من الصراخ. الضابط اتجمد مكانه، سلاحه في إيده وعيونه بتدور في كل زاوية، وأنا مش قادرة أتحرك، عيني متسمرة على الشنطة البينك اللي ظهرت من العدم في وسط المستشفى.. في قلب مكان مفروض يكون هو الأكثر أماناً.
