تخلي عنه ابناءه
كان أول واحد رجع.. جه من غير هدايا كبيرة ولا وعود ضخمة، جاب معاه كيس عيش فريش وسؤال بسيط
يا بابا.. تعلمني أصلح الماكينة دي؟
قعدوا العصر كله شغالين مع بعض.
ومن وقتها وبقى يزوره مرتين في الشهر.. أحياناً يوديه للدكتور، وأحياناً يقعدوا يحكوا قصص زمان لما كانوا عايشين في الغيط.
رفعت استشار محامي وفهم أخيراً إنه ملوش سند قانوني يبطل بيه التبرع لمجرد شعوره بالخسارة.
أخد شهور عقبال ما اتصل.
ولما اتصل، اعتذر إنه اتكلم عن أهلية أبوه وكأنها مشكلة لازم تتصرف من غير ما يسمعه.
مبقوش قرايب قوي بسرعة، بس رجعوا يتكلموا.
وميرفت هي أكتر واحدة فضلت مقاطعة وبعيدة.
في يوم بعتت رسالة تسأل على صحة أبوها.. وبعدين رسالة تانية.. لحد ما ظهرت فجأة في يوم نشاط بدار سان خوسيه.
مطلبتش السماح قدام الناس كلها.. قربت من عم توفيق لما الدرس خلص وفضلت تكلمه وتقعد معاه قرابة الساعة.
محصلش إني عرفت هما قالوا إيه بظبط.
وحمايا رافض يحكي لي.
في حاجات الأب والبنت لازم يصفوها لوحدهم من غير شهود قال لي كده.
واحترمت ده.
وفي يوم ظهرية في شهر نوفمبر، وإحنا بنرتب القماش، لقيت عم توفيق قاعد بيبص لصورة زياد بصمت.
كنا بقالنا شهور عايشين مع بعض، بس لسه بتعدي أيامغياب زياد بيوجعنا بنفس القوة.
أنا بخاف أحياناً يا عم توفيق قلت بصوت مدمع. اتعودت أبقي لوحدي عشان حسيت إن كده مفيش حد يقدر يسيبني تاني.. ودلوقتي خاېفة أخسرك أنت كمان.
عم توفيق قرب وحضني.
الحياة بتنتهي يا بنتي ومش بإيدينا نمنع ده.. بس الخسارة الحقيقية هي إننا نضيع سنين عمرنا نمثل إننا مش بنحب حد ومش عايزين حد.
وبعدين طلع جواب من جيب جاكيته.
عرفت خط إيده فوراً.
ده الجواب الرابع قال. كتبته أول أسبوع جيت فيه هنا، لما كنت فاكر إني همشي تاني يوم.
ومكتوب على الظهر من برا إلى إحسان، البنت اللي لقيتها وقت ما كنت فاكر إني خسړت عيلتي كلها.
فتحته بحرص واهتمام.
كان بيشكرني على شوربة الفراخ، والسرير، والكلام، وبالخصوص على إنه حس بفايدته وقيمته تاني.
وفي الآخر كان كاتب كلمات عن زياد.
بيحكي إنه قبل الحوادثة بشوية، ابنه كلمه وشتكى له من صعوبات الشغل بتاعي، وطلب منه ييجي في يوم يبص على ماكينة أمي القديمة لأني مكنش عندي الشجاعة أتخلص منها.
وكتب إنه ملقاش وقت يحقق الطلب ده وزياد حي.. وبعد مۏته، الۏجع خلاه يبعد عني وميشوفنيش.
كنت فاكر إني جيت بيتك أدور على حد يخدمني ويرعاني.. ودلوقتي فهمت إني جيت أخلص أمانة كانت في رقبتي لابني.. هو كان عايزك متبقيش لوحدك مع مشاكلك أبداً.. سامحيني إني اتأخرت عليكي قوي كده.
مقدرتش أقرأ أكتر من كده.
حضنت حمايا والقهوة بردت قدامنا على الترابيزة.
وفي الليلة دي، سبنا باب الورشة مفتوح عشان الهوا النظيف يدخل.. عم توفيق قعد جنب ماكينة الدواسة وبدأ يظبط زراير فستان جديد.
وأنا ولعت الراديو وكملت شغل الخياطة.
الشنطة الكرتون القديمة، اللي وصلت يومها مبلولة من المطر، كانت تحت الترابيزة مليانة قصاصات قماش ملونة.
وبره المطر بدأ ينزل برقة.
فكرت في رفعت وميرفت وعادل.. مكنوش وحوش.. كانوا ناس أخذت قرارات قاسېة وجشعة لما رعاية أبوهم تطلب منهم يتنازلوا عن جزء من راحتهم.. ودلوقتي لازم يعيشوا مع عواقب قراراتهم ويثبتوا بأفعالهم مش بالكلام مدى رغبتهم في استعادة العلاقة.
وفكرت برضك في ال 4200000 جنيه اللي عملوا المشاكل دي كلها.. الفلوس دي بتساهم تبني أوض آدمية وجميلة لناس حسوا زي عم توفيق في يوم إنهم عالة ومحدش عايزهم.
حمايا رفع راسه وبص لي.
يا إحسان.. ناوليني الخيط الغامق ده من
فضلك.
ناولته له.
الغامق ولا الفاتح؟
الغامق.. التاني مش لايق خالص.
ابتسمت.. كان لسه زي ما هو، الراجل الدقيق اللي بيقضي عمره كله يصلح الحاجات بحب.
بس مكنش باين عليه أبداً إنه بيعتذر عن وجوده أو مكانه.
وفهمت إن أكتر سؤال هيفضل ماشي معايا مش هو إذا كان عمل صح لما تبرع بفلوسه ولا لأ.
السؤال الأصعب بجد هو إزاي عائلة ممكن تقضي سنين مستنية إيه اللي هيسيبه الأبو لما ېموت، وفي نفس الوقت تلاقي مكان ضيق وصغير قوي ليه وهو لسه حي وموجود بينهم؟!
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد