حكايات زهره 2

 

الولد قرب مني خطوتين.

 

وقفت عيني عليه.

 

كان شبهّي.

 

نفس شكل العينين.

 

نفس حركة إيده.

 

حتى طريقة وقوفه كانت غريبة.

 

قلت بصوت مكسور:

 

— اسمك ياسين؟

 

هز راسه.

 

— أيوه.

 

— عندك كام سنة؟

 

— أربع.

 

ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

— وماما قالتلي إن بابا مسافر.

 

الكلمة دي قتلتني.

 

قلت:

 

— وأنا…

 

اتوقفت.

 

ماعرفتش أقول “أنا باباك”.

 

لأني لأول مرة اكتشفت إن الأبوة مش مجرد كلمة.

 

دي سنين.

 

دي حضن.

 

دي أول خطوة.

 

أول كلمة.

 

أول يوم مدرسة.

 

أول مرة يقع ويجري على أبوه.

 

وأنا ماكنتش موجود في أي لحظة منهم.

 

ياسين بصلي وقال:

 

— إنت صاحب بابا؟

 

نزلت دمعة من عيني غصب عني.

 

قلت:

 

— لأ.

 

سكت.

 

وبعدين قلت:

 

— أنا باباك.

 

الولد فضل ساكت.

 

بص لمنار.

 

منار ما قالتش حاجة.

 

رجع بصلي.

 

— بجد؟

 

هزيت راسي.

 

— بجد.

 

قرب مني.

 

لكن قبل ما يوصل، وقف.

 

وبعدين قال:

 

— طب إنت ليه ماجتش؟

 

السؤال كان بسيط.

 

لكن ماكانش عندي إجابة.

 

كل الأعذار اللي كنت أقولها لنفسي خمس سنين اختفت في لحظة.

 

قلت:

 

— كنت غلطان.

 

قال:

 

— غلطان في إيه؟

 

بصيت للأرض.

 

— في حاجات كتير.

 

الولد ما فهمش.

 

وطبيعي.

 

هو لسه طفل.

 

لكن أنا فهمت.

 

فهمت إن أسوأ عقاب ممكن ياخده الإنسان مش إن الناس تكرهه.

 

أسوأ عقاب إنه يكتشف إنه ظلم شخصًا بريئًا، ومابقاش عنده طريقة يرجع الزمن.

 

منار قالت:

 

— ياسين، تعالى.

 

الولد رجع جنبها.

 

أنا قلت:

 

— ممكن أقعد معاه؟

 

منار بصتلي.

 

— مش دلوقتي.

 

الكلمة وجعتني.

 

لكن مااعترضتش.

 

قالت:

 

— أنت محتاج تفهم حاجة يا ابن عمي.

 

— إيه؟

 

— ياسين مش وسيلة تعاقب بيها نفسك.

 

سكت.

 

— ومش وسيلة ترجع بيها الزمن.

 

— عارف.

 

— ومش هسمح لك تظهر في حياته يومين وتختفي أسبوعين.

 

هزيت راسي.

 

— مش هعمل كده.

 

— ومش هسمح لك تستخدمه عشان تضغط عليّ أرجعلك.

 

قلت بسرعة:

 

— أنا مش عايز أرجعلك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *