دموع الندم حكايات شروق خالد
دقات قلبه كانت تتسارع مع كل خطوة يخطوها داخل الممر البارد لمستشفى القديس يوسف، ورائحة المعقمات تزيد من خنقة صدره بينما تعكس الأضواء الفلورية البيضاء شحوب وجهه. كان يركض ويلتفت حوله كالمجنون حتى وصل إلى مكتب الاستقبال لاهثًا، وصوته يخرج متحشرجًا يسأل عن أمل علام، لتشير له موظفة الاستقبال بشفقة ممزوجة بالجدية نحو ممر العمليات القيصرية في الطابق الثاني حيث نُقلت إلى العناية المركزة الخاصة بالولادة.
لم ينتظر المصعد بل صعد الدرج يركض وثواني عمره تمر كأنها سنوات، وعند نهاية الممر رأى نيرمين، صديقة أمل، تجلس على مقعد الانتظار واضعة رأسها بين كفيها وتبكي بحرقة وبجوارها المحامي. ما إن لمحته نيرمين حتى انتفضت واقفة وتحولت ملامح الحزن في عينيها إلى شرار من الغضب واندفعت نحوه تصرخ في وجهه وتسأله كيف يجرؤ على القدوم بعد أن ترك أمل تنزف وجعًا وقهرًا لوحدها بسبب نزواته، لتخبره بالصدمة القاتلة بأن أمل تعاني من انفصال مبكر في المشيمة بسبب الضغط العصبي وبأنها تواجه الموت في الداخل.
داخل غرفة العمليات، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر والأطباء يتحركون بسرعة فائقة بينما يصدر جهاز مراقبة نبضات القلب إشارات متسارعة وخطيرة. كانت أمل شبه غائبة عن الوعي بفعل التخدير الموضعي، وعقلها يسبح في عالم آخر ترى فيه ياسين وفريدة يركضان نحو أفق بعيد مليء بالضوء وهي تحاول اللحاق بهما وتصرخ مستنجدة، في حين كان الطبيب الجراح يصاح بمساعده لإنقاذ التوأم والأم بعد هبوط الضغط والنبض بشكل مرعب.
خارج الغرفة، سقط ممدوح على ركبتيه في الممر واضعًا رأسه على الأرض الباردة، وانهار تمامًا وهو يضرب الأرض بقبضته ويبكي بنشيج يقطع القلب متوسلاً أن يأخذ الله عمره هو وألا يحرمه من زوجته وأطفاله. وعند الساعة 1:15 صباحًا، انقطع الصمت الطويل بخروج طبيب الأطفال يسرع نحو غرف الحضّانات وخلفه ممرضتان تحملان محضنين متنقلين، ليقف ممدوح بذهول وهو ينظر عبر الزجاج إلى كائنين صغيرين للغاية يحاولان التنفس بصعوبة، ويخبره الطبيب أن الولادة تمت في بداية الشهر الثامن وأن حالة الأطفال حرجة تحت أجهزة التنفس الصناعي.
خرج الطبيب الجراح الرئيسي يخلع كمامته وعلامات الإجهاد الشديد تكسو وجهه، ليوضح لممدوح ونيرمين أنهم سيطروا على النزيف بصعوبة بعد نقل دم سريع لأمل، لكنه وجه لممدوح ضربة قاسية حين قال إن حالتها النفسية منهارة تمامًا، وأول كلمة نطقت بها عند إفاقتها هي أنها لا تريد رؤية زوجها، محذرًا إياه من أن أي ضغط عصبي جديد قد يسبب لها جلطة أو انتكاسة قاتلة.
مشى ممدوح بخطوات متثاقلة نحو نافذة الغرفة التي رقدت فيها أمل، ونظر إليها وهي شاحبة كالملاك موصولة بالأجهزة والمحاليل وتتدفق الدموع من عينيها بصمت وهي شبه غائبة عن الوعي. وقف خلف الزجاج يلمس بيده الفاصل الجداري متذكرًا كل وعوده لها وكل لحظة خذلها فيها، ليعرف في تلك اللحظة أن أوراق الطلاق لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت شهادة وفاة للرجل الذي كان يملك قلبها يومًا، قبل أن تلتفت إليه نيرمين وتضع في يده حقيبتها الصغيرة وبداخلها دبلة زواجها الفضية. لقد نجت أمل وكتب الله للتوأم الحياة، لكن زواج ممدوح مات رسميًا في تلك الليلة، وتبخرت حكايتهما لتبدأ أمل حكاية جديدة لامرأة قررت ألا تنكسر أبدًا.
