دموع الندم حكايات شروق خالد

أرسلت أوراق الطلاق لزوجي بالبريد السريع وهو جالس مع المرأة التي اختارها بدلاً مني. بعد ساعات قليلة، كنتُ أُنقل على عجل إلى المستشفى وأنا أحمل في أحشائي التوأم اللذين ظللنا سنوات ندعو الله أن يرزقنا بهما. في اللحظة التي بدأ يستوعب فيها حجم ما خسره، كانت هناك مكالمة هاتفية على وشك أن تحطم كل ما اعتقد أنه ما زال يملكه.
اسمي **أمل**، وهذه هي اللحظة التي مات فيها زواجي من **ممدوح**.
لشهور طويلة، راقبتُ زوجي **ممدوح** وهو يتحول إلى شخص غريب بالكاد أعرفه. بدأ الأمر بتفاصيل صغيرة؛ تأخير مستمر بره البيت، هاتف لا يفارق يده أبدًا ويخفيه حتى وهو نائم، ورائحة برفيوم نسائي نفاذ يمتزج برائحة سجائره، عطر متأكدة أنه ليس عطري.
في البداية، أقنعت نفسي أنه ضغط العمل. ففي النهاية، قضينا سنوات نتنقل بين الأطباء ومراكز الحقن المجهري على أمل إنجاب أطفال. يوم أن أحضرت له اختبار الحمل الإيجابي، بكينا معًا بدموع هزت أركان البيت، وضمّني بقوة وهو يهمس:
> “أخيرًا هنبقى بابا وماما يا أمل.. أخيرًا ربنا استجاب لنا”.
>
وبعد أشهر، أخبرنا الطبيب أنهما توأم؛ ولد وبنت.
يومها، ضحك ممدوح من قلبه في جراج العيادة وقال: **”ياسين وفريدة.. عيلتي اللي حلمت بيها طول عمري”**.
صدقته.. صدقت الرجل الذي اشترى السريرين بنفسه، وكان يدهن بطني بالمرطب كل ليلة بحنان. لكن هذا الرجل اختفى ببطء ليحل محله شخص بارد.
## مواجهة الحقيقة والرحيل صامتًا
في ليلة من ليالي القاهرة الرطبة، جلستُ وحدي في سريري الساعة 11:47 مساءً. شعرت بركلات الأطفال بوضوح؛ **ياسين** ركل أولاً، وتبعته **فريدة** مباشرة. مسحت دموعي وهمست لهما: *”متقلقوش.. أنا معاكم، ماما هنا”*.
قبل ساعة، أرسل لي ممدوح رسالة مقتضبة:
> “شغل كتير ومش هعرف أرجع بدري.. متستنينيش ونامي”.
>
بلا إيموجي قلب، بلا كلمة حلوة، بلا “بحبك”. مجرد رسالة جافة من زوج غادر الزواج بقلبه وعقله منذ زمن.
اتصلت بصديقة عمري وسري، **نيرمين**.
أجابت فورًا بنبرة قلقة: *”أمل؟ في إيه؟ إنتي تعبانة؟”*
انفجرت في البكاء وقلت لها: *”ممدوح بيخونني يا نيرمين.. أنا متأكدة”*.
الصمت الذي خيّم على الخط كان أبلغ من أي كلام، وكأنها كانت تعرف وتخفي عني شفقة بحالي.
في اليوم التالي، جاءت نيرمين ومعها الدليل القاطع؛ فواتير مطاعم وفنادق، صور لهما معًا، ورسائل متبادلة على الواتساب لا تدع مجالاً للشك. كانت تخونه معي مع سيدة تُدعى **جيهان**. في ذلك اليوم، توقفتُ تمامًا عن كون زوجة لممدوح، حتى لو كان هو لا يعلم بعد.
بعد ثلاثة أسابيع، وقعتُ على إنذار بمشروطة الطلاق وأوراق الدعوى، وقررت الاختفاء.
## الصدمة في مكتب ممدوح
ما لم يحسب ممدوح حسابه، هو أن المحضر أرسل الأوراق إلى مكتبه في وسط البلد بينما كان يجلس مع **جيهان** – المرأة التي ضحى بي وببيته من أجلها.
وفقًا لما عرفته لاحقًا، دخل موظف الاستقبال ووضع الظرف الكبير على مكتبه وانصرف. صدمة هادئة، بلا دراما، لكنها كانت كفيلة بقلب حياتنا رأسًا على عقب.
نظرت جيهان إلى الظرف بدلال وقالت: *”إيه ده يا ممدوح؟ أوراق مهمة للشغل؟”*
فتح ممدوح الظرف ببرود، لكنه تجمد تمامًا ما إن قرأ الصفحة الأولى:
> **”دعوى طلاق وإبراء.. أمل علام ضد ممدوح الشناوي”**
>
سقطت ورقة من يده على الأرض، فالتقطتها جيهان واختفت ابتسامتها فجأة وهي تقول بزهول: *”ممدوح… إيه ده؟”*
انتزع الأوراق من يدها بعصبية. في أسفل الصفحة كان توقيعي بخط واضح، وتحته رسالة كتبتها بخط يدي:
> *”أنت اخترت طريقك، وأنا دلوقتي بختار طريقي. متتصلش بيا تاني، وأي كلام ما بينا هيبقى عن طريق المحامي.. أو بخصوص ولادنا لو كان لسه ليك حق فيهم”*.
>
#حكايات_شروق_خالد
حاول الاتصال بي فورًا.. الهاتف مغلق.
مرة أخرى.. الهاتف مغلق.
دخل على تطبيق مشاركة الموقع ليجد أنني ألغيت تفعيل الخيار، وحتى كاميرات أمان الشقة وجدها مفصولة. لقد تبخرت تمامًا.
حاولت جيهان تهوين الأمر قائلة ببرود: *”تلاقيها بتهول وتعمل دراما.. الست الحامل بتبقى الهرمونات مأثرة عليها ونفسيتها وحشة”*.
التفت إليها ممدوح ببطء، ولأول مرة رأى بوضوح حجم الكارثة والثمن الذي دفعه بسبب نزواته. صرخ فيها بصوت يرتجف:
*”اخرجي بره!”*
*”أنت بتقول إيه يا ممدوح؟ مش أنت قلت إنك مبقتش عايزها؟”*
رد وعيناه تملأهما الدموع: *”قلت كلام كتير غبي.. والكلام ده هو اللي وداني في داهية دلوقتي.. اخرجي بره!”*
## اللحظة الحرجة والمكالمة القاتلة
في نفس الوقت، كنت أقود سيارتي تحت أمطار غزيرة وصوت الرعد يملأ السماء، أحاول الابتعاد والبدء من جديد، لكن فجأة شعرت بآلام مخاض حادة ومرعبة قبل أواني. انحرفت بالسيارة بالكاد وتجمع الناس حولي، وتم نقلي بسيارة الإسعاف طوارئ إلى **مستشفى القديس يوسف**.
الأطباء يركضون حول سريري، أجهزة القياس تصدر أصواتًا متسارعة ومتداخلة، والرؤية بدأت تشوش أمامي وأنا أصرخ باسم طفليّ.
في هذه الأثناء، رن هاتف ممدوح برقم غريب. أجاب بلهفة: *”ألو؟”*
جاءه صوت ممرضة حازم وهادئ: *”حضرتك الأستاذ ممدوح الشناوي؟”*
*”أيوه أنا.. في إيه؟”*
*”مدام أمل زوجة حضرتك اتنقلت المستشفى عندنا من ساعة في حالة حرجة”*.
سقط قلبه في قدميه وتلعثم صوته: *”إيه اللي حصل؟ ولادي جرالهم إيه؟”*
ساد صمت طويل من طرف الممرضة، صمت بدا له وكأنه دهر كامل، قبل أن تقطع الصمت بنبرة تقشعر لها الأبدان:
> *”يا فندم.. لازم تيجي المستشفى حالاً.. الوضع خطير”*.
>
انزلق الهاتف من يده وارتطم بالأرض. وبينما كان يركض نحو سيارته متوجهًا للمستشفى كالمجنون، والخوف والندم يمزقان قلبه، تذكر آخر كلمات تركتها له في الرسالة.. كلمات لم تكن “بحبك” ولا حتى “وداعًا”، بل كانت:
> **”أنت اخترت طريقك.. دلوقتي ادعي ربنا ميكونش الوقت فات عشان نصلح أي حاجة”**.
>
وصل ممدوح إلى أبواب المستشفى، يلهث وعيناه تتلفتان رعبًا مما قد يكتشفه وراء تلك الأبواب.. وظل السؤال يتردد في عقله: **هل ضاع منه كل شيء؟ هل خسر زوجته وأطفاله إلى الأبد؟**
#حكايات_شروق_خالد
أرسلت أوراق الطلاق لزوجي بالبريد السريع وهو جالس مع المرأة التي اختارها بدلاً مني. بعد ساعات قليلة، كنتُ أُنقل على عجل إلى المستشفى وأنا أحمل في أحشائي التوأم اللذين ظللنا سنوات ندعو الله أن يرزقنا بهما. في اللحظة التي بدأ يستوعب فيها حجم ما خسره، كانت هناك مكالمة هاتفية على وشك أن تحطم كل ما اعتقد أنه ما زال يملكه.
#حكايات_شروق_خالد

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *