دهب امي مني السيد
عدّى يومين والحاج أحمد نايم في الأوضة العادية في المستشفى، الأجهزة حواليه بدأت تقل، واللون بدأ يرد في وشه الطيب من تاني بعد ما دمه اتجدد بدم طارق. نورا كانت قاعدة جنبه على الكرسي، منامتش من يومين، ماسكة إيده وكل شوية تطمن على نفسه.
أما عصام، فكان قاعد في ركن الأوضة، ضامم رجله لصدره، وعينه منزلتش من على وش أبوه. الشنطة السودا اللي مليانة فلوس كانت لسه جنب رجله، كأنها جثة ذنب مش عارف يتخلص منها. كبريائه اتمحى تماماً، وبقى عامل زي طفل غلطان ومستني العقاب.
فجأة، الحاج أحمد بدأ يحرك صوابعه ببطء. نورا انتبهت ووقفت بسرعة: “بابا؟ حبيبي إنت سامعني؟”
الحاج أحمد فتح عينه بالتدريج، وبص حواليه لحد ما عينه جت على نورا. ابتسم بضعف وصوته طلع واطي ومبحوح: “نورا.. يا بنتي..”
“حمد الله على سلامتك يا غالي، الممر كله كان بيدعي لك، والعملية نجحت وبقيت زي الفل.” نورا قالتها والدموع في عينها من الفرحة.
الحاج أحمد لف راسه ببطء، وعينه جت في ركن الأوضة.. شاف عصام. أول ما عينهم جت في عين بعض، عصام حس كأن خنجر دخل في قلبه. قام وقف ببطء، ومشي خطوات مرعوبة لحد ما وصل جنب السرير. نزل على ركبه ومسك إيد أبوه التانية وباسها وهو بيبكي بنشيج مكتوم: “سامحني يا بابا.. أنا قليل الأصل فعلاً.. أنا عميت عيني الفلوس والسوق، بس والله العظيم كنت هتموت من الرعب عليك. رحت رهنت المعرض وجبت الفلوس وجيت جري.. متزعلش مني يا بابا، اقطع رقبتي بس خليك راضي عني.”
الحاج أحمد بص لعصام نظرة طويلة.. مكنش فيها غضب، كان فيها حزن الأب اللي شايف ابنه بيتعلم الدرس بالطريقة الصعبة. سحب إيده براحة وطبطب على راس عصام وقال بصوت متقطع: “قوم يا عصام.. قوم يا ابني. أنا مش زعلان منك.. أنا كنت زعلان عليك. خفت الدنيا تلهيك لحد ما تصحى تلاقي نفسك لوحدك، ومفيش فلوس في الدنيا بتشتري لِمة الأهل ولا سند الأخ لأخته. المعرض اللي رهنتوه ده تعب سنينك.. ضيعته في ثانية عشان الحسبة الغلط.”
عصام رفع راسه وعينه حمرا: “يتحرق المعرض وتتحرق الفلوس، المهم إنت تقوم لنا بالسلامة. طارق قالي على اللعبة اللي اتعملت عليا.. شريكي خانني يا بابا، باعني وضيعني.”
الحاج أحمد هز راسه بأسى: “اللي يبني بيته على غش يا ابني، أول عاصفة بتهده. إنت وثقت في اللي شبهك في الحسابات، وسبت اللي من دمك ولحمك. بس ربك رحيم.. بعت لنا طارق عشان يرد أصل قديم.”
نورا طلعت العلبة القطيفة من شنطتها وحطتها في إيد أبوها: “بابا.. طارق رجع الدهب، وقال إن ده حقك عليه وعلى أبوه من عشرين سنة.”
الحاج أحمد مسك العلبة وعينه لمعت بالدموع: “عبد العزيز الله يرحمه.. عاش أصيل ومات أصيل، وخلف راجل صان الأصول. طارق فين يا نورا؟”
“خرج من شوية يا بابا، وقال إنه وراه مشوار مهم يخلصه ويرجع لنا.”
عصام وقف، ومسح دموعها، وفي لحظة عينيه لمعت بنظرة تانية.. نظرة راجل فاق من الغيبوبة وقرر ياخد حقه. بص لأبوه وقال: “بابا.. طارق قالي إن الحبر لسه منشفش على ورق الرهن، وإن المعركة مع شريكي لسه مبدأتش. أنا لازم أنزل حالا.. لازم ألحق المعرض قبل ما توفيق وشريكي يكتبوا العقود نهائي ويسجلوا كل حاجة باسمهم. أنا هروح أصلح غلطتي باللي اتعلمته منك.”
الحاج أحمد بص له بنظرة تشجيع وقال: “روح يا عصام.. وخلّي الاسم اللي شايله هو سندك، مش الفلوس. روح ورجع شقاك، بس بالحق والأصول.”
عصام بص لنورا وقال: “خليكي جنب بابا يا نورا.. وأنا مش هطول.” شال الشنطة السودا في إيده، وخرج من الأوضة بخطوات سريعة وثابتة، مكنش عصام المكسور بتاع الصبح، كان عصام اللي لسه مخلص اختبار الأصول وقرر ينجح فيه.
### المواجهة في المعرض
في نفس الوقت، في مكتب معرض السيارات الكبير بتاع عصام، كان الجو مليان بدخان السجاير التقيل.
قاعد ورا المكتب الضخم “شريف”، شريك عصام، وشه كان عليه ابتسامة انتصار خبيثة وهو بيولع سيجارة غالية. وجنبه على الكرسي الجلدي كان قاعد “المعلم توفيق”، الراجل اللي عصام رهن له المعرض امبارح بالليل. على المكتب كان فيه دفاتر المعرض وعقود الرهن والبيع والشراء مفتوحة، وجنبهم قلم حبر غالي مستني الإمضاء الأخير اللي ينقل كل حاجة لشريف وتوفيق رسمياً ويشطب اسم عصام من السوق.
توفيق نفخ الدخان وقال بضحكة صفرا: “والله ووقعت يا ابن الحاج أحمد، جيتلي برجليك ورميت المعرض تحت رجلي بمليون جنيه كاش عشان تلحق أبوك.. والنهاردة المعرض ده يتباع لشريف بيه بمليون ونص، وأطلع أنا بمكسب نص مليون في ليلة واحدة، وشريف بيه يسترد المعرض كله لنفسه ويطرد عصام برة اللعبة.”
شريف ضحك بصوت عالي: “عصام طول عمره فاكر نفسه ذكي، بس طمعه وعمى عينه هما اللي جابوه الأرض. أنا اللي عطلت شحنات الميناء، وأنا اللي خليت السوق يضغط عليه، ولما جه موضوع تعب أبوه، عرفت إنها اللحظة المناسبة عشان ينتهي. زمانه دلوقتي في المستشفى بيعيط على أبوه وعلى فلوسه.”
فجأة، الباب الخشبي الكبير بتاع المكتب اتفتح بضربة رجل قوية هزت المكان.
دخل عصام، وشه كان زي الصخر، وعينيه بتطلع شرار. وراه على طول دخل طارق عبد العزيز، وبكل هدوء قفل الباب وراه وسند بضهره عليه، كأنه بيقفل مخرج الهروب.
شريف وتوفيق قاموا وقفوا مخضوضين. شريف حاول يستعيد ثباته وقال بابتسامة صفرا: “عصام! إيه الدخلة دي يا صاحبي؟ حمد الله على سلامة والدك.. خير، إيه اللي جابك دلوقتي؟ مش المفروض تكون في المستشفى؟”
عصام مشي خطوات بطيئة لحد ما وصل قدام المكتب، حط الشنطة السودا بكل قوته على التربيزة فالورق اللي عليها طار. بص لشريف وقال بنبرة صوت ترعب: “جيت عشان ألم البضاعة المغشوشة يا شريف.. جيت عشان أشوف الخيانة وهي قاعدة على مكتبي.”
توفيق اتوتر وبص لعقود الرهن وقال: “جرى إيه يا عصام بيه؟ إنت جاي تعمل نمرة في معرضك؟ إنت واخد مني مليون جنيه كاش امبارح وراحن المعرض، والورق أهو.”
طارق قرب خطوتين، وحط إيده في جيبه وقال بصوت وثق وهادي: “الورق ده بلوه واشربوا ميته يا معلم توفيق. القانون بيقول إن عقد الرهن الغبني اللي بيتم تحت ضغط وحالة ضرورة قصوى وبأقل من تمن العين بكتير، بيعتبر عقد باطل لو الطرف المدين رد الفلوس في خلال 48 ساعة مع الفايدة القانونية. والفلوس أهي، المليون جنيه كاملة مكملة وزيادة عليها كمان.”
شريف وشه اتغير وبقى أصفر زي الليمونة، وبص لتوفيق وقال: “إنت هرتل بتقول إيه؟ مين الراجل ده؟”
طارق ابتسم بثقة: “أنا طارق عبد العزيز.. صاحب شركة الاستثمار العقاري اللي اشترت أصول المعرض ده من البنك العقاري الصبح بالليل، لأن المعرض ده عليه مديونية قديمة باسم شركة شريف وعصام، وشريف بيه كان مأخر السداد عشان يحجز على المعرض لنفسه بعد ما يطرد عصام. أنا سددت المديونية للبنك، وبقيت أنا الشريك المالي الجديد في الأرض والمبنى.. يعني ببساطة يا شريف بيه، إنت بتلعب في أرضي أنا.”
شريف رجع لورا وصوته بدأ يرعش: “إنتوا بتخرفوا.. أنا هطلب الشرطة.”
عصام سحب الكرسي وقعد عليه بكل برود، وبص لشريف وقال: “اطلبها يا شريف.. اطلبها عشان تلاقي مباحث الأموال العامة مستنياك برة بروجتة شحنات الميناء المتزورة اللي إنت هربتها باسم شركتنا، وعقود النصب اللي عملتها مع توفيق من ورايا. طارق جابلي كل المستندات دي الصبح من مكتبك التاني.”
توفيق أول ما سمع سيرة الأموال العامة والشرطة، وش جاب ألوان، ولمّ حاجته بسرعة وبص لعصام: “أنا ماليش دعوة يا عصام بيه.. شريف هو اللي وزّني، وهو اللي قالي عطّشه واشري منه بالرخيص. الفلوس بتاعتي أهي في الشنطة، والورق اهو أنا هقطعه بإيدي.” مسك توفيق عقود الرهن وقطعها مية حتة ورماها في الهوا، وأخد شنطته وجري برة المكتب كأن البيت بيولع.
قعد شريف على الكرسي ومبقاش ينطق، انهار تماماً بعد ما لقى الخطة اللي بقاله شهور بيرتبها اتهدت في قعدة مدتها عشر دقايق.
عصام وقف، وبص لشريف بقرف وقال: “المعرض ده أنا اللي بنيته بدمي وشقايا، واسم أبويا الحاج أحمد هو اللي عملنا قيمة في السوق. إنت من النهاردة برة المعرض وبرة حياتي، وحسابنا في المحاكم على كل قرش سرقته.”
لف عصام وبص لطارق، ومد إيده له: “أنا مش عارف أشكرك إزاي يا طارق.. إنت رجعتلي شرفي ورجعتلي تعبي.”
طارق هز إيده بقوة وابتسم: “أنا مرجعتش حاجة يا عصام.. أنا بس رديت دين قديم للحاج أحمد. أبوك هو اللي زرع الخير ده من عشرين سنة، وإنت النهاردة حصدته. حافظ على المعرض، وحافظ على الأصول الحقيقية.”
### لِمة العيلة والأصول
بعد أسبوع..
البيت الطيب بتاع الحاج أحمد كان منور، والباب مفتوح على آخره. صالة البيت اللي كانت من يومين غرقانة في صمت تقيل وخوف، النهاردة كانت مليانة بضحك وفرحة وصوت حركت الجيران والقرايب اللي جايين يباركوا بنجاة الحاج أحمد ورجوعه لبيته وسط أولاده.
الحاج أحمد كان قاعد على الكنبة الكبيرة في الصالة، ساند ضهره على المخدات المطرزة، ووشه راجع له نوره وضحكته الطيبة الطاهرة. جنبه كانت قاعدة نورا، لابسة فستان جميل والابتسامة مش مفارقة وشها، وبتوزع الشربات على الضيوف.
أما عصام، فكان شغال زي النحلة في البيت، بيستقبل الناس، ويضايفهم، ويضحك مع ده ويرحب بذاك. مكنش فيه أي أثر لعصام بتاع الصفقات والملايين والغرور، كان فيه بس عصام ابن الحاج أحمد الأصيل البار بأهله وبأبوه.
وسط الزحمة، دخل طارق عبد العزيز وبإيده باقة ورد كبيرة. أول ما الحاج أحمد شافه، فتح له دراعاته: “تعالى يا ابني.. تعالى يا غالي يا ابن الغالي.”
طارق قرب وباس راس الحاج أحمد وقعد جنبه: “حمد الله على سلامتك يا حاج، البيت منور بيك والله.”
الحاج أحمد بص لعصام ونورا وقال: “البيت منور بأولادي وناسنا الأصليين يا طارق. الدنيا دي دار ابتلاء، والواحد ساعات بيغلط وبيتوه، بس المهم إنه يرجع لطريق الصح.”
عصام قرب وقعد على الركبة قدام أبوه وطارق، وبص لأبوه وقال وعينه مليانة فخر: “أنا اتعلمت الدرس يا بابا، وعرفت إن الأصول مش أراضي ولا عمارات ولا حسابات في البنك. الأصل الحقيقي هو السند وقت الشدة.. هو اليد اللي بتمتد ليك وإنت بتغرق، وهو نورا اللي باعت دهبها عشانك، وهو طارق اللي جه بدمه وفلوسه عشان يرد جميل من عشرين سنة.”
نورا مسكت إيد أخوها وعينها دمعت من الفرحة: “أنا رجعلي أخويا يا بابا.. وده عندي بالدنيا كلها.”
الحاج أحمد ابتسم وحط إيده فوق إيد نورا وعصام وطارق، وقال بصوته الدافي اللي هز القلوب كلها: “طول ما إيدنا في إيد بعض، وطول ما الأصول ساكنة جوة قلوبنا، مفيش سوق هيقدر يكسرنا، ومفيش غدر هيقدر يهزمنا. ربنا يخليكم ليا، ويديم الأصول بنا يا ولادي.”
الصالة اتملت بالضحك والدعوات الطيبة، والبيت اللي كان مهدد بالخراب والانقسام، بقى أقوى وأهدى وأجمل من الأول. وعصام بص من الشباك على الشارع وهو حاسس بارتياح حقيقي لأول مرة في حياته.. ارتياح الراجل اللي عرف إن المكسب الحقيقي في الدنيا دي مش كام معاك في جيبك، لكن مين واقف في ضهرك وقت الشدة.
وهنا قفلت الحكاية بأجمل نهاية.. نهاية رجوع الابن لحضن أبوه وأخته، ورجوع الحق لأصحابه، وثبات الأصول اللي مبيغيرهاش زمن ولا فلوس.