طلقت مراتي

بصيت للولاد اللي نايمين في سلام، وحسيت لأول مرة من سنة إن النَفَس رجع لصدري تاني، وعرفت إن طريقي طويل عشان أعوضهم، بس المهم إننا بقينا مع بعض.
مرت الأيام والشهور، وكل يوم كان بيعدي كان بيبعدنا خطوة عن الماضي وب يقربنا خطوة من بعض.
المحكمة حكمت على أمنية بالسجن المشدد بتهم التزوير، والسرقة، والابتزاز. وفوق العقاب القانوني، الفضيحة حاصرتها وحاصرت أهلها بعد ما الحقيقة كلها ظهرت للنور قدام العائلتين، والكل عرف إن إسراء كانت ضحية لمؤامرة رخيصة. رجعت لأمي طقم الألماظ بتاعها، ورجعت الفلوس اللي اتسرقت من حساباتي، بس الفلوس والمجوهرات مكنتش هي الحاجة اللي بتهمني.. الحاجة الوحيدة اللي كنت بحارب عشانها هي نظرة الرضا في عين إسراء.
نقلنا لبيت جديد خالص، مكان ملوش أي علاقة بالذكريات القديمة ولا الوجع اللي عيشناه. اشتريت للتوأم، اللي سميتهم “عمر” و”علي”، كل اللي يحلموا بيه، وبقيت بشتغل ليل نهار مش عشان الفلوس، عشان بس أعوضهم عن السنة اللي عاشوها في شقا وتراب الشوارع بسبب غبائي.
في ليلة من الليالي، كنت قاعد في البلكونة والجو هادي، دخلت إسراء وهي شايلة كوبايتين شاي. قعدت قصادي وبصت لي بابتسامة صافية، الابتسامة اللي وحشتني من سنين واللي مكنتش بشوفها غير في أحلامي.
حطت الشاي وقالت بصوت ناعم: “مازن.. أنا شفت المحاضر والتحقيقات، وشفت أنت عملت إيه عشان تجيب حقنا.. وشايفة كمان معاملتك للولاد وتعبك معاهم”.
سكتت لحظة، ونبضات قلبي بدأت تسرع وأنا مستني كلمتها. كملت وهي بتمسح دمعة هربت من عينها: “أنا النهاردة أقدر أقولك إن الجرح اتقفل.. وأنا مسامحاك من كل قلبي يا مازن”.
الكلمة دي كانت بمثابة طوق النجاة اللي رجعني للحياة تاني. قمت من مكاني، ومسكت إيدها اللي بدأت ترجع لنعومتها زمان، وقلت لها: “أنا مش بس هعوضك يا إسراء.. أنا هعيش الباقي من عمري كله عشان أثبت لك إن ثقتك دي في مكانها، وإن مفيش قوة في الدنيا هتقدر تبعدنا عن بعض تاني”.
من اليوم ده، قفلنا كتاب الماضي بكل حرجه ودموعه، وفتحنا صفحة جديدة، صفحة مفيهاش كذب، ولا شك، مفيهاش غير حب حقيقي اتولد من رحم المعاناة، وبيت مليان بضحكات عمر وعلي اللي بقوا هما الدنيا وكل ما فيها.
