حكايات انجي الخطيب 2

النيابة كانت هادية بس الجو جواها كان مشحون وكأن فيه كهربا طايرة في الهوا، ملك دخلت وهي حاسة إن رجليها مش شايلينها ووراها أختها بتعيط وبتدعي، وقفت قدام وكيل النيابة اللي كان بيبص في ورق قدامه بجدية شديدة ووشه متهجم، رفع عينه وبص لها وقال بصوت حاد: “مدام ملك.. الاتجار بالمستندات الرسمية وسرقتها ج*ريمة عقوبتها السجن، والمتهم عمر قدم إيصالات ومسجلات صوتية ومستندات بتثبت إنك كنتي بتهدديه بيها عشان توافق على الجواز.. ردي، فين الورق الأصلي؟”
ملك عيطت بحرقة وقالت بصوت مكسور وهي بترتعش: “والله كدب يا باشا! والله ما كسبت منه حاجة ولا معايا ورق.. أنا حبيته! ده كان جوزي من ساعة! هو اللي عمل فيا كده، هو اللي طلع الس*كينة وعايز يخلص مني!”
وكيل النيابة طلع فلاشة من درج المكتب وحطها قدامها وقال ببرود: “المتهم قدم أدلة رقمية بتقول إنك كنتي بتبعتي له رسايل صوتية وتهديدات واضحة على تليفونه.. والأدلة دي جابتها التحريات الأولية مطابقة.. قدامنا حلين، يا إما تعترفي بمكان الورق الحقيقي، يا إما القرار هيصدر بحبسك على ذمة التحقيق بتهمة ابتزاز وترهيب.”
ملك صرخت بانهيار وهي حاسة إن الحيطة هتقع عليها: “أنا مبعتّش حاجة! عمر هو اللي عامل كل ده.. ده شيطان! ده دبر كل خطوة عشان يقلب الترابيزة عليا!”
في اللحظة دي، بره مكتب النيابة، كان عمر واقف بثقة عجيبة وهو خارج من الحجز بعد ما محاميه قدر يطلع بإخلاء سبيل مؤقت لحد ما تكتمل التحقيقات في البلاغ المتبادل، حط إيده في جيبه وبص للباب اللي جوه ملك بتتحقق فيه، وابتسم ببرود وهو بيقول لنفسه بصوت هامس: “لعبتي أذكى بكتير يا ملك.. ولسه اليقين ماجاش.”
……..
باب مكتب النيابة اتفتح وعمر خارج ورافع راسه لفوق وبخطوات ثابتة وواسعة كأنه هو اللي مجني عليه وهو صاحب الحق، وفي اللحظة دي بالضبط كانت أخت ملك خارجة من الأوضة التانية وعينيها حمرا وبتعيط بانهيار، وأول ما شافته واقف قدامها بكل الغرور ده، الدم في عروقها غلي وراحت هجمت عليه زي اللبوة وهي بتصرخ بصوت ملا الشارع كله: “يا ظالم يا فاجر.. بتلفق التهم لبنت الغلابة عشان تداري على جنايتك؟! ربنا ينتقم منك!”
العساكر جم بسرعة وبعدوها عنه وهي بتتفصل عنه بصعوبة، وعمر عدل بدلته ببرود مستفز وبص لها بنظرة استخفاف وقال بصوت هادي خلى دمها يتحرق: “لمي أختك واعرفوا كويس تلعبوا مع مين.. دي لسه البداية، واللي جاي أهون بكتير من اللي هتشوفوه.”
سابتهم أخت ملك وجريت على جوه وهي بتعيط لأن وكيل النيابة اصدر قراره بحبس ملك أربع أيام على ذمة التحقيقات لحد ما يتم تفريغ الهواتف والتأكد من صحة التسجيلات اللي عمر قدمها كدليل ضدها، وملك دخلت الحجز وهي حاسة إن الدنيا اتقفلت في وشها وإن الشيطان اللي كانت فاكراه إنسان بتحبه، قدر بخطته المسمومة إنه يقلب الجلاد ضحية ويحطها مكانها في نفس الزنزانة اللي كان لسه خارج منها.
في الوقت ده، كان عمر راكب عربيته وجنبه محاميه اللي بص له بذهول وقال: “يا عمر بيه إنت لعبتها صح ووكيل النيابة اقتنع، بس المستندات اللي جبتها دي.. لو الجهات المعنية فتحت التحقيق فيها بجد وطلعت مزورة، هتقلب عليك جناية تزوير أوراق رسمية!”
عمر ولع سيجارة ونفخ الدخان ببطء وعينه متبته قدام على الطريق وقال بثقة عمياء: “مفيش حاجة اسمها مزورة.. أنا الحكاية دي مدروسة عندي بالثانية، وملك لازم تتعلم درس مَتِنْسَاهوش طول عمرها، إنها لما تفكر تقف قدام عمر بيه، تحفر قبرها بإيدها.”
بس وهو ماشي في الطريق، تليفونه رن برقم غريب.. رد وهو رافع حاجبه، فصوت مجهول من الناحية التانية قاله ببرود: “عمر بيه.. اللعبة اللي لعبتها على ملك ذكية، بس نسيت إن فيه حد تالت كان شايف كل حاجة من الشباك.. والورق الحقيقي اللي بيدينك إنت مش هي ولا معاها.. الورق ده معايا أنا، وتمنه مليون جنيه كاش خلال ساعتين، يا إما هكون عند وكيل النيابة ومعايا المفتاح اللي هيعدمك!”
…….
عمر عض على شفته من الغيظ، ووشه اتغير تماماً، والسيجارة وقعت من إيده على فرش العربية وهو بيجز على سنانه بغضب: “مين الحيوان اللي بيحاول يلعب معايا؟ انطق! مين معاك الورق؟!”
الصوت من الناحية التانية رد ببرود مقبض: “مش مهم مين أنا.. المهم إن ساعتك بدات تعد، ومليون جنيه يوصلوا المكان اللي هبعته في رسالة كمان دقيقة، ولا تنسى إنك لسه خارج من النيابة بمخارج ضيقة.. سلام يا عريس.”
الخط اتفصل، وعمر ضرب دركسيون العربية ببوكس بكل قوته لحد ما عروقه بارزت وقال للمحامي بصوت مرعب: “اركن على جنب بسرعة!” المحامي اتخض وركن العربية على جانب الطريق، وعمر فتح باب العربية ونزل وهو بياخد نفس بصعوبة، دماغه كانت بتلف، كل خططه كانت ماشية صح لحد ما ظهر الكارت اللخبط الحسابات كلها وخلاه يحس إنه مراقب في كل خطوة.
في نفس الوقت، جوه حجز النساء بمركز الشرطة، كانت ملك قاعدة على البطانية القديمة في الأرض، حاضنة ركبتها ودموعها نازلة بصمت، حاسة إنها في كابوس مستحيل تصحى منه. وفجأة، العسكرية فتحت باب الحجز وقالت بصوت جاف: “ملك.. قومي، فيه زيارة ليكي.”
ملك رفعت راسها باستغراب، مين ممكن يزورها في مكان زي ده بعد الشؤم اللي حل عليها؟ قامت على رجلين بتترعش ومشيت مع العسكرية لحد غرفة الزيارات، وهناك كانت الصدمة الكبيرة لما لقيت قدامها شخص عمرها ما توقعت تشوفه في الظروف دي.. الحاج محمود، أبو عمر بنفسه، وواقف ووشه كله أسى وندم، وماسك في إيده ملف ورق صغير.
……..
ملك بصت للحاج محمود وعينيها مليانة دموع وقهرة، وقالت بصوت مكسور وهي مش مصدق عينيها: “جاي لي أنا يا عمي؟ جاي تشوف البنت اللي ابنك حطها في المكان ده؟”
الحاج محمود قرب من الإزاز الفاصل وباس صوابعه وحطها على الإزاز وكأن بيعتذر لها، وقال بصوت مهزوز ودموعه في عينه: “حقك عليا يا بنتي.. أنا الجاني قبل ما يكون ابني هو الجاني، أنا ربيت ونسيت أراقب، وطلعت طمعي في إني أستر على ابني لحد ما دمر حياتك.”
ملك هزت راسها برفض وهي بتعيط: “الكلام ده مبيعملش حاجة يا عمي.. أنا جوه في الزنزانة دي ومش عارفة هطلع منها إمتى، ابنك دمرني، خلاني فجأة متهجمة ومبتزة وأنا غلبانة ولا أعرف حاجة عن الورق ده!”
الحاج محمود فتح الملف الصغير اللي كان ماسكه، وطلّع منه ورقة حطها قدام الإزاز وقال بنبرة كله تصميم: “علشان كده أنا هنا يا ملك.. أنا مش هسكت على ظلم ابني ليكي، ولقيت الورق الحقيقي في مكتب عمر القديم.. الورق اللي بيثبت إن عمر هو اللي كان بيسرق الشركة من سنين، وإنك كنتي البريئة اللي دافعتي عن الحق وهو بيلبسك التهمة.”
ملك فتحت عينيها بصدمة وقالت: “بجد يا عمي؟! يعني… يعني معايا طوق النجاة؟”
الحاج محمود هز راسه بجدية وقال: “أيوه يا بنتي، والورق ده هسلمه لوكيل النيابة بنفسي حالا، وعمر هيدفع تمن عمايله وسواده بلطجته بمعرفتي، ومش هسمح لظلمه يكمل دقيقة واحدة كمان.”
…….
الحاج محمود مشي بخطوات ثابتة وناشفة، وراح على مكتب وكيل النيابة ودخل من غير إذن من كتر الغضب اللي كان جواه على ابنه، وحط الملف كله قدام المحقق وقال بصوت حاسم: “أنا أبو المتهم يا باشا.. وجاي أقدم دليل براءة المجني عليها.. ابني هو المجرم الحقيقي، ودي المستندات اللي بتثبت إنه كان بيسرق الشركة وبيحاول يلبس التهمة لمراته يوم فرحها.”
وكيل النيابة مسك الملف وفتح الورق وبدأ يقراه بتمعن شديد، ووشه اتغير وبقى صارم، وطلب في الحال إحضار ملك من الحجز وأمر بضبط وإحضار عمر فوراً قبل ما يهرب.
في الوقت ده، عمر كان واقف في مكان مقطوع بيقابل الشخص المجهول اللي طلب الفدية، وطلع الشنطة اللي فيها الفلوس وحدفها له وقال بسخرية: “خد فلوسك.. وهات الورق الحقيقي وخلصنا!”
الشخص فتح الشنطة وبص فيها وبعدين ضحك بصوت عالي وقال: “كنت متوقع إنك ذكي يا عمر.. بس للأسف، البوليس وصل!”
في ثواني كانت عربيات البوليس حاصرة المكان من كل الاتجاهات، وعمر اتفاجأ بالظابط بينزل وبيحط الكلبشات في إيديه وبيقوله: “عمر محمود.. أمر إلقاء قبض بأمر النيابة العامة في قضايا تزوير واختلاس وابتزاز، واللعبة خلصت يا عريس.”
ملك خرجت من بوابة النيابة مرفوعة الراس ومعاها براءتها كاملة، وشافت عمر وهو راكب عربية الشرطة ومكلبش، وبصت له نظرة أخيرة مفيهاش أي خوف، وقالت بصوت هادي وهي بتستقبل حضن أبوها وأختها: “كل واحد بياخد نصيبه.. وتمن الظلم دايماً غالي أوي.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *