حكايات انجي الخطيب 1

في ليلة فرحها، العروسة صرخت صرخة هزّت البيت كله… ولما حماتها كسرت باب أوضة النوم، لقتها مرمية على الأرض، بترتعش من الرعب، بينما العريس كان واقف في ركن الأوضة، بيبص لها ببرود، ويتمتم بكلمة واحدة:”كان لازم تدفع التمن..
“يا ماما… أنا مستحيل أكمل الجوازة دي!”
قالتها ملك وهي بتصرخ بانهيار، وصوتها كان مالي البيت كله.
فستان فرحها الأبيض كان متكرمش، وشعرها اتفك، وأنفاسها كانت متقطعة، وعينيها مليانة رعب بالشكل اللي يخلي أي حد يشوفها يعرف إن فيه كارثة حصلت.
من ساعة واحدة بس…
كان بيت عيلة عمر في إحدى قرى الصعيد منور بالزينة، والزغاريد مالية المكان، والأغاني شغالة، والناس كلها فرحانة.
الورد الأبيض متزين في كل ركن، والضيوف بيباركوا للعروسين، والكل كان شايف إن دي بداية حياة سعيدة.
ملك كانت مرتبطة بعمر من سنتين، وكل اللي يعرفهم كان بيقول إنهم مناسبين لبعض.
وأول ما دخلت العيلة، أم عمر، الحاجة أمينة، استقبلتها وكأنها بنتها.
ماكانش فيه أي خلاف…
#انجي_الخطيب
ولا أي مشكلة…
ولا حتى إشارة تخلي حد يتوقع اللي هيحصل.
وفجأة…
شق سكون الليل صوت صرخة مرعبة.
صرخة خلت كل اللي في البيت يقوم مفزوع.
أمينة بصت لجوزها الحاج محمود وقالت بخضة:
“إنت سمعت؟!”
رد عليها وهو بيجري:
“الصوت جاي من أوضة العرسان!”
جروا الاتنين ناحية الأوضة.
“يا عمر!”
“يا ملك!”
“افتحوا الباب!”
مفيش رد.
خبطوا تاني…
وبرضه مفيش أي صوت.
لا حركة…
ولا حتى نفس.
أمينة بدأت تخبط بكل قوتها وهي بتعيط:
“يا ابني افتح… خوفتني عليك!”
لكن الباب فضل مقفول.
في لحظة…
الحاج محمود جاب كتفه وخبط الباب بقوة.
اتفتح الباب…
والمنظر اللي شافوه جمد الدم في عروقهم.
ملك كانت مرمية في آخر الأوضة، لازقة في الحيطة، جسمها كله بيترعش، وعينيها ثابتة على حاجة قدامها وكأنها شايفة كابوس.
كانت بتصرخ وهي بتحاول تزحف لورا.
أمينة جريت عليها وهي بتحاول تضمها.
“يا بنتي… مالك؟! إيه اللي حصل؟”
لكن ملك زعقت فجأة وهي بترجع لورا بخوف:
“لا… بالله عليكي… متقربيش مني!”
اتصدمت أمينة وقالت بصوت مهزوز:
“أنا أم عمر يا حبيبتي… اهدي… إحنا أهلك.”
ببطء…
ملك رفعت عينيها وهي بتبص لأمينة، والدموع مغرقة وشها.
وقالت بصوت مكسور:
“يا طنط… أنا مقدرش أفضل مراته.”
سكتت لحظة…
وبعدين بصت ناحية عمر.
“أنا عمري ما كنت أتخيل إنه يعمل فيا كده.”
كل الأنظار اتجهت لعمر.
كان واقف ساكت…
وشه شاحب…
وعينيه في الأرض.
ولا نطق بحرف.
الحاج محمود قرب منه بعصبية:
“اتكلم يا عمر… حصل إيه؟”
فضل ساكت.
لحد ما أخيرًا رفع راسه وقال بصوت بارد خلى اللي في الأوضة كلها يقشعر:
“أنا كنت عايزها تخاف وبس.”
ملك انفجرت في العياط أكتر.
أما أمينة فكانت باصة لابنها بصدمة، مش مستوعبة اللي سمعته.
وسألته وهي بتترعش:
“تخاف؟! ليه تعمل فيها كده؟”
رفع عمر عينه وقال الجملة اللي قلبت الليلة كلها لجحيم…
“كان لازم تدفع التمن.”
سكت الجميع…
وأمينة همست وهي مش فاهمة:
“تمن إيه…؟”
لكن عمر ما ردش.
لأن الحقيقة اللي كان مخبيها من سنين، والسر اللي دفنه قبل الجواز، كان أخطر بكتير مما أي حد في البيت يقدر يتخيله…
#انجي_الخطيب
الحاج محمود زعق بصوته كله وهو بيمسك عمر من ياقته: “تمن إيه يا ابن الكلب! انطق! عملت فيها إيه جوه عشان تطلع بالمنظر ده؟!”
عمر اتزحزح ببرود وشال إيد أبوه بهدوء مقبض، وبص لملك اللي كانت ماسكة في الحيطة وكأنها هتهرب منها: “اسألوها.. هي عارفة كويس أنا أقصد إيه.. هي عارفة هي عملت إيه زمان وخلتني أستحمل كل ده.”
أمينة بصت لملك بعيون كلها دهشة وخوف، وقالت بصوت بيترعش: “يا بنتي.. عمر بيقول إيه؟ إنتي عملتيه إيه؟ اتكلمي عشان أنقذكم من النار اللي ولعت دي!”
ملك هزت راسها بنفي وهي بتعيط بحرقة، وقالت بصوت مكسور: “والله ما عملت حاجة يا طنط.. والله العظيم ما أعرف هو بيتكلم عن إيه! إحنا حبنا كان قدام الكل، وعمر كان كويس معايا.. لحد.. لحد ما دخلنا الأوضة وقفلنا الباب.”
عمر ضحك ضحكة قصيرة مفيهاش أي فرح، ضحكة صفرا هزت الأوضة، وقال: “كدابة.. كدابة وبتعرفي تبتزي اللي قدامك كويس أوي.. نسيتي الوثيقة؟ نسيتي الورق اللي كنتي بتهدديني بيه عشان أتجوزك؟”
البيت كله سكت.. سكون رهيب جه بعد الجملة دي، والحاج محمود بص لابنه بصدمة: “ورق إيه؟ جوزتك بتهديد؟!”
عمر وجه كلامه لأبوه وللكل، وصوته علي وبقى مليان غل قديم: “أيوه.. ملك مش البريئة اللي أنتوا شايفينها دي.. من سنتين، قبل ما نعرف بعض، كنت في شغلانة كبيرة.. وهي قدرت توصل لسر تخص الشغل ده.. سر لو طلع كان دمرني ودمر عيلتي كلها.. وجاتني بكل توفيق وتقول لي: يا إما الجواز يا إما الفضيحة!”
ملك صرخت وهي بتخبط على الأرض بإيديها: “محصلش! والله محصلش! أنا حبيتك بجد.. الورق ده أنا لقيته صدفة وخبيته عشان كنت بخاف عليك.. وعمر ما هددتك بيه!”
“أمال كنتي حاطاه في شنطة فرحك ليه؟! وكنتِ مفكرة إني مش هعرف أفتشها أول ما ندخل بيتنا؟” عمر قالها وهو بيقرب منها خطوة، فملك صرخت بخوف أكبر: “أوعى تقرب مني! أوعى!”
أمينة وقفت قدام ابنها ومنعته تقرب، وبصت لملك بقلب مكسور: “يعني الجوازة دي كلها كانت مزيفة.. وانتي دخلتي بيتي بتهديد؟!”
ملك عيطت بصوت ميت وهي بتقول: “أنا بحبه.. والله العظيم حبيته ونسيت كل حاجة.. بس هو.. هو لما دخلنا الأوضة طلع سك*ينة من جيبه، وحطها على رقبتي، وقالي أنا اتجوزتك عشان أنتقم، وعشان أحول ليلتك السودا دي لجحيم.. كان بيعذبني بالكلمات والتهديد وأنا لسه بفستان العروسة!”
الحاج محمود بص لعمر بعيون حمراء من الغضب، ورفع إيده وضرب علبة قفاه بقلم أصدر صوت عالي في الأوضة كلها: “يا خسارة تربيتي فيك! تمد إسكين على مراتك في ليلة دخلتها؟! تكسر بنت الناس بالطريقة دي؟!”
عمر حط إيده على مكان القلم، وبص لأبوه بنظرة جبارة وقال: “كان لازم تدفع التمن زي ما أنا دفعت سنين من عمري وأنا خايف أضيع!”
في اللحظة دي، سمعوا صوت سيارة شرطة بتقف قدام البيت، والأنوار الحمراء والزرقاء عكست على حطان الأوضة، وملك بصت لعمر بابتسامة مرعبة وسط دموعها وقالت: “أنا مكنش معايا الورق أصلا.. والبوليس هو اللي جاي ياخدك بالبلاغ اللي قدمته أختي أول ما سمعت صرختي.”
…………
صوت عربيات البوليس اللي وقفت برة كان أشبه بصوت رعد خبط فجأة في قلب الليلة اللي اتحولت من فرح لكابوس. صوت العساكر وهي بتجري على السلالم وبصمات الكوتشيات على خشب البيت هزت المكان، والصمت بقى أثقل من الجبل.
الحاج محمود وقف مكانه متجمد، عينه على ابنه اللي فضل واقف زي ما هو، مفيش على وشه أي خوف، كأن إيد القانون اللي بتخبط على الباب دلوقتي مابتخصوش في حاجة. أمينة انهارت على الكرسي وهي حاطة إيدها على وشها وبتصرخ بصوت مقطوع من العياط: “يا مصيبتي السودا.. ابني رايح مني.. ابني ضاع!”
الباب اتفتح بعنف، ودخل ظابط الشرطة ومعه أفراد القوة، ووجهه صارم ومكشر. بص للأوضة اللي منظرها كان يروي الحكاية لوحده: فستان العروسة المتقطع، العروسة اللي قاعدة في الركن بتترعش، والعريس الواقف ببرود.
الظابط بص لعمر وقال بصوت جاد: “عمر محمود.. متهم بترهيب مواطنة وحمل سلاح أبيض والتهديد في ليلة الزفاف.. ارفض أي مقاومة واتفضل معانا.”
عمر ما نطقش بحرف واحد. مد إيده بهدوء غريب، وكأن كل ده كان فيلم هو كاتبه وعارف نهايته كويس. العساكر كلبشوا إيديه، وأخدوه ونازلين بيه. في اللحظة دي، عمر وقف عند باب الأوضة، لف راسه ببطء وبص لملك اللي كانت باصة له بنظرة مكسورة، وقال بصوت هامس سمعه الكل: “لسه الحكاية ما خلصتش يا ملك.. ولسه التمن مدفعش للآخر.”
الباب اتقفل على خروجهم، والبيت بقى كنه خربة فاضية. أمينة كانت قاعدة بتعيط بدموع ناشفة، والحاج محمود سند ظهره على الحيطة وعينه تايهة في الحطام اللي حواليه. ملك قامت ببطء على رجلين بتترعش، فستانها الأبيض بقى ملوث بتراب الأوضة، وطلعت من البيت كله من غير ما تبص وراها، وهي حاسة إنها وإن نجت من سكينته الليلة دي، إلا إنها دخلت في متاهة ملهاش أول من آخر.
……..
الليل كان طويل وثقيل على الكل، وفي بيت الحاج محمود، السكات كان أصعب من الصراخ. أمينة كانت قاعدة في الصالة بتبص للزينة اللي متعلقة لحد دلوقتي على الحيطان، زينة الفرح اللي اتحولت لمآتم، وكل دمعة كانت تنزل من عينيها كانت بتحرق قلبها على ابنها اللي دخل السجن في ليلة فرحه. أما الحاج محمود، فكان قاعد حاني ظهره، حاسس إن هيبة سنين عمره اتهدت في دقيقة واحدة قصاد طيش ابنه وجبروته.
تاني يوم الصبح، النور طلع بس كأن الشمس مطلعتش على البيت ده. ملك كانت في بيت أهلها، قاعدة على السرير واخدة مخضّة في حضنها، عيونها وراهم سهر وتعب، ولسه سامعة صوت سكاكين عمر في ودنها. أختها دخلت عليها بصينية شاي وقالت بحنان: “يا ملك.. اهدي بقى يا حبيبتي، الحمد لله ربنا نجاكي منه، الواد ده مجنون وكان ممكن يق*تل بجد.”
ملك هزت راسها ببطء وقالت بصوت مبحوح: “مش قادرة أنسى يا أختي.. مش قادرة أنسى نظرة عينه وهو بيقولي لسه التمن مدفعش.. أنا حاسه إنه مش هيسيبني، حتى وهو جوه السجن.”
في الوقت ده، كان المحامي واقف قدام عمر في قسم الشرطة، وبيقوله بقلق: “يا عمر بيه، القض*ية شكلها صعب.. تهديد بسلاح أبيض وترهيب في محضر رسمي، والظابط مثبت الحالة، أهلك بيدوروا على كفيل بس النيابة شكلها هتحولك تجديد حبس.”
عمر قعد على الكرسي وابتسم ابتسامة غريبة، وقال بصوت هادي: “تجديد ايه بس يا استاذ صبري.. هما فاكرين إني خسرت اللعبة؟ دي لسه البداية.. ملك فكرت إنها لما جابت البوليس خلصت مني، بس نسيت إن السحر ممكن ينقلب على الساحر.. والورق اللي هي مفكرة إنه مع أختها.. مش هو الحقيقي أصلا.”
المحامي اتفتح بوقه بصدمة: “قصدك إيه؟! فيه ورق تاني؟!”
عمر غمض عينه ببرود وقال: “فيه أسرار تانية خالص.. لو طلعت، مش ملك لوحدها اللي هتدفع التمن، البلد بحالها هتعرف مين اللي بدأ اللعبة دي.”
المحامي بلع ريقه بخوف وقال بصوت واطي: “يا عمر بيه إنت بتهزر ولا بتتكلم بجد؟ دي قض*ية جناية، لو فيه ورق تاني خبيه أحسن عشان الق*ضية ما تقلبش ضدك أكتر ما هي مقلوبة!”
عمر بص قدامه بنظرة شريرة وقال بثقة عمياء: “سبني أنا وعقلي.. وروح شوف شغلك في النيابة وطلعني من هنا، لأن قعدتي هنا مش هطول، وبكره تشوف ملك هتعمل إيه لما تكتشف إنها وقعت في القبر بيدها.”
في الوقت ده، في بيت أهل ملك، الباب خبط خبطات سريعة وقوية هزت البيت كله. أخت ملك فتحت الباب باستغراب، لتتفاجأ باتنين من أمناء الشرطة واقفين ومعاهم ورقة رسمية، وبيقولوا بجدية: “مدام ملك محمود؟ معانا أمر استدعاء وتفتيش من النيابة بناءً على بلاغ مضاد مقدم من محامي المتهم.”
ملك خرجت من أوضتها على صوتهم، وجسمها كله رجع يترعش تاني كأن الكابوس بينعاد من جديد بصورة أغرب. بصت للورقة وقالت بصوت مكسور: “بلاغ إيه؟ أنا المجني عليها!”
عمن من أمناء الشرطة رد بجمود: “المتهم بيتهِمِك بحيازة مستندات سرية خاصة بشركة كبرى وابتزازه وتهديده بيها قبل الجواز.. واتفضلي معانا للنيابة عشان التحقيق.”
ملك حست إن الدنيا بتلف بيها، وقالت بصوت طالع بالعافية: “ورق إيه؟ أنا ماعرفش حاجة عن ورق!”
لكن الباب كان مفتوح، والظروف كانت بتتجمع ضدها بشكل مرعب، وكلام عمر اللي قال إن اللعبة لسه مخلصتش بدا يتحقق حرفياً، وبدل ما كانت رايحة تاخد حقها، لقت نفسها واقفة على حافة هاوية أعمق بكتير من اللي كانت متخيلها.
حكايات انجى الخطيب
