دهبي مني السيد 1
ابني اللي رفض يرجع حق أخته دخل في شغل وخسر كل فلوسه، وبعدها اتعرض للنصب، وكأن كل باب كان بيفتحله اتقفل مرة واحدة. ومن كتر الصدمة، عرف إنه بقى مريض سكر… حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
وأنا كمان، صحتي بقت في النازل يوم بعد يوم، وبقيت أقضي أغلب وقتي بين التحاليل والدكاترة، وكل ليلة أنام وأنا بفكر في بنتي… يا ترى بتعمل إيه؟ يا ترى سامحتنا ولا لأ؟
عدى ١٠ شهور كاملة، من غير ما أشوف وشها.
وفجأة، النهارده، واحدة من الجيران قابلتني وقالتلي وهي مبتسمة:
“مبروك… بنتك جابت ولد.”
وقفت مكاني، قلبي دق بسرعة، ومكنتش عارفة أفرح ولا أعيط.
جريت مسكت التليفون واتصلت بجوزها، وأنا متخيلة إنه هيقولي عنوان المستشفى أو حتى يسمحلي أشوف حفيدي.
لكن أول جملة قالها كانت:
“أنا ماليش دعوة بالمشكلة اللي بينكم… القرار قرارها هي.”
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن آخر باب كان ممكن يدخلني لحياة بنتي اتقفل في وشي.
لكن بعد أقل من ساعة… حصل شيء ما كنتش أتخيله أبدًا، حاجة خلتني أعرف إن اللي جاي هيغير كل حاجة… وإن المواجهة اللي هتحصل بيني وبين بنتي، ممكن تكون آخر فرصة لرجوعها… أو النهاية اللي مفيش بعدها رجوع
#حكايـات_منـي_السيـد
بصيت للتليفون في إيدي والدموع محبوسة في عيني، الكلمة اللي قالها جوزها كانت زي خبطة الرصاص، باردة ومباشرة. قعدت على الكرسي وبدأت أسترجع شريط العشر شهور اللي فاتوا. العشر شهور اللي قضيناهم في بيتنا وكأننا في سجن، الحيطان بقت بتنطق بكلمة بنتي الأخيرة “حسبي الله ونعم الوكيل”.
أبوها كان قاعد جنبي، عيونه مكسورة، باصص للفراغ، ومن ساعة ما عرف خبر الولادة وهو مبيتحركش من مكانه. حالته الصحية بقت أصعب من حالتي، دكاترة القلب قالوا إن الزعل سد شريان في قلبه، وبقى بيعيش بالأدوية. وابني اللي كان فاكر إن الدنيا دانت له، قاعد في أوضته مبيخرجش منها، بعد ما خسر كل شروعاته وبعد ما السكر هده وخلت جسمه نحلان وعيونه غايرة.
قلت لنفسي: “لا، مش هسكت.”
قمت من مكاني، لبست طرحتي وأنا إيدي بتترعش. جوزي بصلي وسأل بصوت واهن:
* رايحة فين يا ست الناس؟
* رايحة لبنتي. رايحة أشوف حفيدي، وأشوف بنتي اللي كسرنا بخاطرها، ولو كلفني الأمر أبوس رجليها، مش هسيبها.
نزلت الشارع، كانت الدنيا مغيمة وكأنها حاسة بوجع قلبي. ركبت تاكسي، واديت السواق العنوان اللي كنت عارفاه بصعوبة من الجيران. طول الطريق وأنا بكلم نفسي، براجع الكلمة الغبية اللي طلعت مني. “ما إحنا اللي اشتريناه”.. إيه الخيبة دي؟ إزاي لساني طاوعني أقول كدة؟ هو ده جزاء اللي شالت أخوها من الضيقة؟ اللي باعت دهبها عشان ميتذلش، ردينا عليها بالذل!
وصلت قدام بيتها، عمارة هادية في منطقة راقية، قلبي كان بيدق بسرعة جنونية. وقفت قدام الباب، رفعت إيدي عشان أخبط، بس خوفي منعني. خفت تفتحلي الباب وتطردني، خفت أشوف في عينيها نظرة استحقار ليا. خدت نفس عميق وقلت: “يا رب، أنت اللي عالم بالحال، هي بنتي ومفيش أغلى منها.”
خبطت… مرة، اتنين، تلاتة.
مفيش رد. بدأت أطمن نفسي إنها ممكن تكون نايمة أو جوزها لسه مرجعش. وفجأة، سمعت صوت “تكة” الباب.
فتحت الباب بالراحة، وبانت هي… كانت ملامحها متغيرة، وشها شاحب، بس في عينيها نظرة قوة ما عرفتهاش قبل كدة. كانت شايلة في إيدها “لفة” صغيرة، ضامّـاها لصدرها بحنان الدنيا.
أول ما شافتني، اتجمدت في مكانها. ملامح الوش سكنت، والابتسامة اللي كانت لسه مرسومة على وشها وهي بتلعب مع اللي في إيدها اختفت تماماً.
* ماما؟
كلمة “ماما” طلعت منها تقيلة، كأنها خارجة من قلب مليان عتاب. حاولت أتكلم، صوتي كان طالع زي الهمس:
* مبروك يا ضنايا.. مبروك.
بصتلي بصة طويلة، حسيت إنها بتشوفني من جوه، بتشوف الندم اللي مالي روحي. مدت إيدها التانية، كانت هتقفل الباب في وشي، بس أنا حطيت إيدي بسرعة على حرف الباب:
* بالله عليكي يا بنتي، بلاش تقفلي الباب. أنا جيت عشان أطمن عليكي، وجيت أقولك إني غلطت. غلطت غلطة عمري، والندم بياكل في قلبي أكل.
اتنهدت هي بعمق، دموعها بدأت تنزل بصمت.
* جيتي دلوقتي يا ماما؟ بعد ما الوجع بقى أضعاف؟ بعد ما اتعلمت إني أعتمد على نفسي، وأشوف الدنيا وش تاني غير اللي كنت فاكراه؟
* عارفة إني اتأخرت، وعارفة إن الكلمة اللي قلتها جرحت كرامتك.. بس كنت عميا، كنت فاكرة إني بدافع عن ابني، ومعرفتش إني بدبح بنتي.
فضلت ساكتة فترة، والهدوء اللي في السلم كان بيخنقني. كان فيه خناقة جواها، بين قلبها اللي لسه بيحبني، وبين عقلها اللي لسه مش ناسي القسوة. فجأة، سمعت صوت عياط “البيبي” جوه اللفة. ملامحها اتغيرت فوراً، ورجعت للحنان اللي هي متعودة عليه.
* ادخلي.
قالتها بصوت واطي ومكسور. دخلت البيت، كان بيتها بسيط ومرتب، كان فيه ريحة نظافة وراحة نفسية غريبة. قعدت على أقرب كرسي، وهي راحت حطت الولد في سريره الصغير. رجعت وقفت قدامي، ومسحت دموعها بطرف طرحتها.
* كنت فاكرة إني مش هشوف وشكم تاني، وكنت بدعي ربنا ينسيني الوجع.
* أنا عارفة، وأنا استاهل أكتر من كدة. بس قوليلي، ابني… أخوكي، عارف؟
ضحكت ضحكة مريرة:
* أخويا؟ أخويا اللي باع دهبي عشان “سند” نفسه ومسألش في أخته؟ ده مش أخويا اللي أنا أعرفه. ده شخص تاني أنا مش عاوزة أعرفه.
حسيت بوجع في قلبي، كان لازم أسمع ده، كان لازم أواجه الحقيقة.
* يا بنتي، هو ندمان، هو تعبان..
قاطعتني بسرعة:
* ندمان عشان خسر فلوسه؟ ولا عشان السكر مبهدله؟ هو مبيفتكرش غير نفسه يا ماما.
بدأت أحكيلها كل حاجة.. حكيتلها عن حال أبوها، عن حالة أخوها، عن الدكاترة والتحاليل، مش عشان أشحت شفقة، بس عشان أقولها إن الدنيا دي دوّارة، وإن اللي حصل فينا ده كان قرصة ودن من ربنا عشان نفوق.
قعدت جنبي، بدأت تتكلم، تحكي عن معاناتها في الفترة اللي فاتت، إزاي اضطرت تشتغل في ظروف صعبة عشان تأمن حياة ابنها، وإزاي جوزها كان ساندها في كل خطوة، في الوقت اللي كانت فاكرة إن أهلها هما اللي هيكونوا السند.
* كنت محتاجة كلمة “حقك عليا” مش كلمة “دهبكم”. كنت محتاجة أحس إني بنتكم، مش مجرد “حاجة” اشتريتوها وليكم الحق فيها.
في اللحظة دي، نزلت على ركبي قدامها، ومسكت إيديها وبستها:
* حقك عليا، حقك عليا يا بنتي. أنا أمك، وأنا اللي غلطت، والندم اللي أنا فيه مش هيخلص إلا لو سامحتيني.
بصت للسقف، وبعدين ليا، والدموع مالية عينيها:
* أنا مسامحاكي يا ماما، لأن الأم مفيش بعدها، ولأني مش عاوزة ابني يتربى على كره، مش عاوزاه يعرف إن في يوم من الأيام حصل جفاء بيني وبين أهلي. بس…
سكتت، وعرفت إن فيه “بس” كبيرة.
* بس إيه يا بنتي؟
* بس، أنا وأخويا… صفحة واتقفلت. مش عاوزة أشوفه، ومش عاوزة أسمع صوته. كرامتي اللي اتكسرت في اليوم ده، محتاجة وقت كتير عشان تتبني من جديد.
حسيت إن دي بداية الطريق، بداية رجوع بنتي لحياتي، حتى لو كان التمن خسارة ابني أو قطيعته ليها. قعدت معاها ساعات، حكيتلها عن كل حاجة، وشفت حفيدي، اللي كان نسخة منها في صغره.
لما جيت أمشي، ودعتني وهي باردة، مفيش حضن زي زمان، بس كان في باب مفتوح. ده في حد ذاته كان معجزة. رجعت البيت، لقيت أبوها وأخوها مستنيين، وبصت في عينهم وعرفت إني لازم أقولهم الحقيقة المرة.. إن الباب اللي اتفتح مش للكل، وإن الجروح اللي سيبناها مش هتلم في يوم وليلة.
دخلت أوضتي، فضلت أفكر في اللي جاي. المواجهة ما خلصتش، دي لسه بتبدأ، وكل خطوة هتحصل بعد كدة هي اللي هتقرر هل هنقدر نرجع عيلة تاني، ولا الوجع اللي زرعناه بكلمة واحدة، هيفضل يحصد معانا سنين طويلة من الغربة؟