دهب امي مني السيد 1
عدّى يومين، وجه معاد العملية.
كنا في المستشفى من بدري، والدكتور كان مستني يخلصوا آخر الإجراءات.
الممرضة نادت على اسمنا، واستلمت الملف، لكن وهي بتراجعه فجأة اتغيرت ملامحها.
بصت لنا باستغراب وقالت:
“حضرتكم… متأكدين إنكم دافعين تكلفة العملية؟”
ردت نورا بسرعة: “أيوه، دفعت كل المبلغ بنفسي.”
الممرضة قلبت في الكمبيوتر مرة تانية، وبعدين رفعت راسها وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“الغريب إن الحساب بيقول إن العملية مدفوعة بالكامل… من امبارح… وباسم شخص تاني.”
بصينا أنا ونورا لبعض في ذهول.
مين اللي دفع؟
وليه أخفى اسمه؟
والأغرب… إن الشخص ده سايب مع إدارة المستشفى ظرف مقفول، ومكتوب عليه بخط واضح:
“يتفتح بعد دخول المريض غرفة العمليات فقط.”
الممرضة فضلت باصة لنا بنظرات كلها حيرة، والورقة في إيدها كانت بترتعش خفيف، كأنها هي كمان مستغربة من اللغز اللي اتطرح فجأة في صالة المستشفى. نورا فضلت واقفة مكانها، مبرقة وعينها بتتحرك بين شاشة الكمبيوتر وبين وش الممرضة، كأنها بتحاول تقرأ الكلام اللي مكتوب على الشاشة بنفسها.
“يعني إيه مدفوعة من امبارح؟ وباسم مين يا بنتي؟” صوتي طلع مبحوح، طالع بالعافية من وسط ضربات قلبي اللي بدأت تتسارع من الصدمة.
الممرضة هزت راسها بأسف وقالت: “والله يا حاج، السيستم مش ظاهر عندي غير رقم العملية، والاسم اللي سدد مكتوب قصاده (فاعل خير).. لكن الحسابات أكدت إن الفلوس دخلت كاش امبارح بالليل متأخر. والظرف ده سابه الشخص ده مع موظف الأمن اللي كان شغال في وردية الليل، وقال له بالحرف: يتسلم لأهل المريض أول ما يدخل العمليات.”
نورا لفت وبصت لي، ملامحها كانت خليط بين الذهول والخوف. الخوف من المجهول دايماً بيبقى أصعب من الحقيقة نفسها. مدت إيدها ببطء وأخدت الظرف من الممرضة. الظرف كان أبيض، نضيف، ومقفول بامتياز، ومكتوب عليه من برة بخط إيد منظم وقوي: **”يتفتح بعد دخول المريض غرفة العمليات فقط.”**
“مين ده يا بابا؟” نورا سألتني وصوتها بيترعش، “عصام؟ تفتكر عصام عملها عشان يصحح غلطته؟”
هزيت راسي وأنا مش متأكد من حاجة. عصام؟ عصام اللي خرج من البيت وعينه في الأرض، هل ممكن يكون كبريائه منعه إنه يدفع قدامنا، فراح دفع من ورا ظهرنا؟ ولا الموضوع فيه إنّ؟ عصام حساباته كلها بالورقة والقلم، والسوق مبيصرخش في وشه غير بلغة المكسب والخسارة. هل حس بوجع الضمير للدرجة دي؟
قبل ما نلاقي إجابة، الباب الكبير بتاع الممر اتفتح، ودخل السرير المتحرك ومعاه اتنين ممرضين جاهزين عشان ياخدوني. الدكتور المسؤول عن التخدير قرب مننا وابتسم وهو بيعدل نضارته: “يلا يا حاج.. توكلنا على الله. ربع ساعة والعملية هتبدأ، والكل جاهز جوة.”
نورا حطت الظرف في شنطتها بسرعة، وقربت مني، وطت باست راسي وإيدي، ودموعها اللي حبساها طول الوقت نزلت غصب عنها: “ترجعلي بالسلامة يا حبيبي.. مفيش حاجة تهم في الدنيا دي غيرك.”
ابتسمت لها وحاولت أطمنها، ودموعي أنا كمان كانت قريبة. السرير بدأ يتحرك بيا، وأنا باصص للسقف الأبيض للمستشفى، واللمبات الكبيرة اللي بتعدي فوق راسي واحدة ورا الثانية. كل لمبة بتعدي كانت كأنها سنة من عمري بتمر قدام عيني.. شقايا، تعبي، تربيتي لعصام ونورا، اللحظة اللي ماتت فيها أمهم وسابتهم لي أمانة. كنت بسأل نفسي جوة الممر الضلمة اللي بيؤدي لغرفة العمليات: يا ترى أنا قصرت في إيه؟ يا ترى فين الغلطة اللي خلقت من بطن واحدة قلبين مختلفين للدرجة دي؟ قلب بيبيع دهب أمه عشان يعيشني، وقلب بيحسب الأصول والسيولة عشان يسيبني؟
الباب الحديد الكبير بتاع غرفة العمليات اتقفل، والصوت بتاعه عمل صدى رنان في الممر. نورا فضلت واقفة مكانها، حاسة إن رجلها مش شايلاها. مشيت خطوات بطيئة لحد ما قعدت على الكرسي البلاستيك الأزرق اللي في ممر الانتظار.
الممر كان فاضي وهادي، مفيش فيه غير صوت تكتكة الساعة المعلقة على الحيطة، وصوت أنفاسها المخنوقة. طلعت الشنطة بتاعتها، وفتحتها بإيد بترجف، وطلعت الظرف الأبيض.
بصت للظرف لثواني. الممرضة قالت يتفتح بعد ما يدخل العمليات.. وهو خلاص دخل.
مدت صباعها وقطعت طرف الظرف ببطء. سحبت الورقة اللي جوة.. مكنتش ورقة عادية، دي كانت ورقة كربون من إيصال السداد المالي بتاع المستشفى، وجنبها ورقة تانية صغيرة مطوية بعناية.
فتحت الورقة الصغيرة، وبدأت تقرأ الخط. الصدمة كانت أقوى من إنها تستوعبها في أول لحظة. الخط مكنش خط عصام.. نورا حافظة خط عصام كويس، خطه بيبقى سريع ومائل ومربك زي شخصيته. الخط ده كان خط منسق، حروفه واضحة، وفيه هيبة غريبة.
الرسالة كانت بتقول:
> “يا نورا.. أنا عارف إنك دلوقتي محتارة، وممكن تكوني ظلمتي حد أو افتكرتي إن اللي دفع الفلوس هو اللي خذلك وقت الشدة. أنا مش عصام. أنا الشخص اللي اشترى الدهب بتاع والدتك من المحل اللي إنتِ بعتيه فيه امبارح.
> لما دخلت المحل وشفتك واقفة بتبكي والدموع في عينك وإنتِ بتفرطي في أغلى ما تملكي، وعرفت من كلامك مع صاحب المحل إن الفلوس دي عشان عملية والدك، حسيت إن الدنيا لسه فيها خير، وحسيت في نفس الوقت بوجع كبير.. لأني افتكرت أبويا الله يرحمه اللي مات وأنا مش قادر أعمله حاجة.
> الدهب بتاع والدتك معايا، متشال في أمانة، ومتقدريش ترجعيه غير لما والدك يقوم بالسلامة وتطمني عليه. والفلوس اللي اندفعت في المستشفى دي مش دين عليكي ولا على والدك، دي حق الراجل الطيب ده عليا وعلى الدنيا.
> متدوريش عليا دلوقتي.. هتعرفي أنا مين في الوقت المناسب. المهم دلوقتي والدك يقوم بالسلامة.”
>
نورا قرت الرسالة وعينها مش مصدقة. حطت إيدها على بوقها عشان تكتم صرخة الذهول والدموع اللي انفجرت مرة واحدة. “مين ده؟” همست لنفسها وهي بتبص حواليها في الممر الفاضي، كأنها متوقعة إن صاحب الرسالة يكون واقف مستخبي ورا الحيطة وبيراقبها.
الدنيا لفيت بيها. يعني الدهب ماراحش؟ والشخص ده دفع تمن العملية بالكامل؟ طب وعصام؟ عصام فين من كل ده؟
في نفس اللحظة، لقت تليفونها اللي في الشنطة بيرن بصوت عالي كسر هدوء الممر. سحبت التليفون بسرعة وهي بتمسح دموعها. شافت الاسم على الشاشة: **عصام**.
اترددت ثواني قبل ما ترد، لكن في النهاية فتحت الخط وجت في بالها ألف فكرة وفكرة.
صوت عصام جه عبر السماعة، لكن مكنش الصوت الزاعق أو المتوتر بتاع امبارح. صوته كان هادي، لدرجة الغموض، وفيه نبرة غريبة مسمعتهاش منه من سنين.
“نورا.. إنتوا في المستشفى صح؟” عصام سأل.
“آه يا عصام، بابا لسه داخل العمليات حالا.” ردت بنبرة جافة، وهي بتحاول تخبي الرسالة في ايدها وتتماسك.
عصام سكت لثواني، سكتة طويلة خلت نورا تسمع صوت نفس عميق بياخده، وبعدين قال: “أنا جاي في الطريق.. ربع ساعة وأكون عندك. متعمليش أي إجراءات ولا تدفعي جنية واحد من اللي معاكي لحد ما أوصل. أنا اتصرفت.”
نورا حست بنبضة قلبها بتوقف. “اتصرفت يعني إيه؟”
“لما أجي هفهمك كل حاجة.. اقفلي دلوقتي وأنا مسافة السكة.” وقفل الخط قبل ما تديله فرصة تسأل تاني.
نورا بصت للتليفون في إيدها وهي مش فاهمة حاجة. عصام بيقول إنه اتصرف وجايب فلوس؟ طب والفلوس اللي اندفعت امبارح بالليل دي بتاعة مين؟ الرسالة بتقول إن صاحبها اشترى الدهب ودفع الحساب امبارح.. وعصام لسه مكلمها دلوقتي وبيقول إنه اتصرف!
الحكاية بدأت تتعقد، والخيوط دخلت في بعضها بشكل يجنن.
الربع ساعة عدت كأنها سنة. نورا فضلت رايحة جاية في الممر، بتبص على باب العمليات المقفول، وعلى باب الممر اللي المفروض يدخل منه عصام.
وفعلاً، بعد تلت ساعة تقريباً، ظهر عصام من أخر الممر. كان ماشي بسرعة، قميصه مش متظبط وزراره اللي فوق مفتوح، ووشه باين عليه الإرهاق الشديد كأنه منامش من يومين. في إيده كان شايل شنطة جلد سودا صغيرة، كان ماسك فيها بقوة كأنها كنز خايف يضيع منه.
أول ما وصل عندها، وقف وهو بنهج: “بابا دخل؟”
“بقاله نص ساعة جوة.” نورا ردت وهي بتبص للشنطة اللي في إيدها، “إيه الشنطة دي يا عصام؟”
عصام قعد على الكرسي بتعب، وحط الشنطة على رجله وفتح السوستة ببطء. نورا قربت وبصت جوة الشنطة.. كانت مليانة حزم فلوس من فئة الميتين جنيه. فلوس كتيرة وجديدة.
“دي فلوس العملية وفلوس المستشفى كلها..” عصام قال وهو بيبص للأرض، صوته كان واطي ومش قادر يرفع عينه في عين أخته، “أنا عارف إني غلطت امبارح.. وعارف إن كلامي كان ديرتي، وكلام بابا كسرني.. بس أنا مكنتش بكدب يا نورا. أنا فعلاً معنديش سيولة، كل مليم معايا مربوط في شحنات بضاعة في الميناء ومشاريع لو وقفت هتخرب بيتي. بس لما نزلت من البيت.. مكنتش قادر أتنفس. كلامك وكلام بابا كان بيلف في دماغي. أنا مش قليل الأصل.. أنا بس.. السوق عامي عيني.”
نورا بصت له بهدوء غريب، وسألته: “وجبت الفلوس دي منين يا عصام؟ بالسرعة دي؟”
عصام بلع ريقه، وبص للشنطة وقال بنبرة فيها انكسار: “رهنت المعرض.. رهنت معرض العربيات بتاعي لصالح واحد من التجار الكبار في السوق بأقل من تمنه بكتير، وأخدت منه الفلوس دي كاش امبارح بالليل متأخر عشان ألحق أجي الصبح بدري وأدفعها قبل ما بابا يدخل.”
نورا حست بصدمة تانية تضربها. عصام رهن معرضه؟ أكبر حاجة بيملكها واللي بناها في سنين؟
“إنت بتقول إيه؟ رهنت المعرض؟” نورا سألته والذهول باين في صوتها، “وعملت كده امتى؟”
“امبارح بالليل.. قعدت مع الراجل لحد الساعة واحدة بعد نص الليل لحد ما خلصنا الورق واستلمت منه الشنطة دي. وجيت جري دلوقتي عشان أسدد.” عصام رفع راسه وبص لأخته وهو بيحاول يثبت حبه ليها ولأبوه، “أنا جيت اهو يا نورا.. وجبت الفلوس.. ومستعد أعمل أي حاجة عشان بابا يسامحني.”
نورا رجعت خطوة لورا، والورقة البيضاء اللي في إيدها كانت بتتحرك مع الهوا البارد بتاع التكييف. الحيرة دلوقتي بقت قاتلة.
إذا كان عصام قضى ليلته بيرهن في معرضه واستلم الفلوس، ومكنش يعرف إن فيه حد تاني دفع.. يبقى مين فاعل الخير اللي دفع الفلوس امبارح بالليل وباسم شخص مجهول؟ ومين اللي اشترى الدهب؟
عصام لاحظ الورقة والظرف اللي في إيد نورا، ولقى ملامح وشها مش ملامح واحدة فرحانة إن أخوها جه وإن الأزمة اتفكت. ملامحها كانت مرعوبة.
“في إيه يا نورا؟” عصام سأل وهو بيقوم واقف، “أنتِ باصة لي كده ليه؟ والورقة دي إيه؟”
نورا بلعت ريقها بصعوبة، ومدت إيدها بالرسالة لعصام من غير ما تنطق حرف.
عصام أخد الورقة وهو مستغرب، وبدأ يقرأ الكلام اللي فيها. ملامح وشه بدأت تتغير من التعب للاندهاش، وعينه بدأت تتسع وهو بيقرأ السطور الأخيرة.. السطور اللي بتتكلم عن شخص شاف نورا وهي بتبيع الدهب، ودفع تمن العملية، وشال الدهب عنده أمانة.
عصام مسك الورقة بقوة لدرجة إنها كرمشت في إيده: “ده مين ده؟ ومين اللي سمح له يتدخل بنا؟ ومين اللي قال إننا محتاجين عطف من حد غريب؟” نبرة صوته القديمة، نبرة الكبرياء والرفض بدأت تظهر تاني، “إنتِ روحتِ بعتِ الدهب فين يا نورا؟ في أنهي محل؟”
“في المحل بتاع الحاج مرسي اللي في الصاغة.. المحل اللي بابا بيتعامل معاه من زمان.” نورا ردت بصوت مخنوق.
عصام سكت للحظة، وعينه بدأت تتحرك بسرعة كأنه بيفتكر حاجة، أو كأنه لقط خيط في وسط المتاهة دي. “الحاج مرسي؟” عصام همس لنفسه، “الحاج مرسي محله مقفول بقاله يومين عشان كان مسافر.. أنا لسه مكلم ابنه امبارح!”
“مقفول؟” نورا صرخت، “مقفول إزاي؟ أنا بايعة الدهب امبارح العصر، وكان فيه راجل كبير قاعد، وهو اللي أخد مني الدهب بنفسه ودفعلي تمنه!”
عصام مسك دراع نورا بقوة خفيفة وقال لها وعينه فيها نظرة خوف حقيقي لأول مرة: “نورا.. المحل بتاع الصاغة ده، الحاج مرسي باعه من أسبوع لشركة استثمار عقاري كبيرة.. والشركة دي صاحبها يبجى…”
قبل ما عصام يكمل جملته، باب غرفة العمليات اتفتح فجأة، وخرج منه الدكتور وهو بيجري، والتوتر باين على وشه بالكامل، وبص حواليه لحد ما شاف نورا وعصام واقفين.
الدكتور قرب منهم بسرعة وقال بصوت واطي ومليان قلق: “يا جماعة.. إحنا واجهنا مشكلة غير متوقعة جوة.. ضربات القلب نزلت فجأة والضغط مش مستقر.. إحنا محتاجين فصيلة دم نادرة جداً فوراً ومفيش منها في بنك المستشفى!”
الدنيا اسودت في عين نورا، وعصام الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض، والفلوس اتنطرت منها.. في اللحظة دي، الفلوس والمعرض والذهب وكل أصول الدنيا مكنش ليها أي لازمة قدام نفس واحد من أبوهم وهو بيموت جوة.
الدكتور صرخ فيهم بنبرة مستعجلة هزت جدران الممر: الفصيلة دي نادرة جداً، ومفيش وقت نطلبه من بنك الدم الرئيسي، لازم نتصرف في خلال دقايق وإلا هنخسره.
الدنيا اسودت في عين نورا تماماً، وحست إن الأرض بتلف بيها. بصت على الأرض لقت شنطة الفلوس اللي عصام جابها مفتوحة، وحزم الميتين جنيه متنطورة في كل حتة على البلاط البارد. الفلوس اللي عصام هلك نفسه ورهن معرضه عشان يجيبها امبارح بالليل، بقت مرمية تحت الرجلين ملهاش أي قيمة. الملايين والسيولة والأصول اللي كان عصام بيتحجج بيها، وقفت عاجزة ومش قادرة تشتري نقطة دم واحدة تنقذ حياة أبوهم.
عصام جف مبرق، ونزل على ركبه ببطء وسط الفلوس المتناثرة، مكنش بيلمها، كان باصص لها بنظرة انكسار مرعبة. لفت دماغه وبص للدكتور وصوته طلع مخنوق ومرعوب: يعني إيه يا دكتور؟ أنا معايا فلوس.. معايا كتير.. اشتري بيها بنك الدم كله لو عايز، بس ابوس إيدك اتصرف، بابا ميموتش بسببي.
الدكتور بوزعق فيه بنفاذ صبر: يا أستاذ افهم، المسألة مش مسألة فلوس، المسألة مسألة وقت وفصيلة دم مش متوفرة، الفلوس دي بلّها واشرب ميتها لو ملقيناش متبرع حالا.
نورا صرخت وهي بتمسك في دراع الدكتور ودموعها نازلة زي المطر: خد مني أنا يا دكتور، أنا بنته، أكيد دمي هينفع له، أرجوك جرب مش هخسر حاجة.
الدكتور هز راسه بأسف: يا بنتي إحنا عملنا تحليل فصيلة ليكي أول ما جيتوا، فصيلتك تختلف وماتنفعش، لازم الفصيلة النادرة دي بالذات عشان الجسم ميحصلش فيه صدمة.
في اللحظة دي، وعصام قاعد في الأرض مكسور بين حزم الفلوس، ونورا هتموت من الرعب، ظهر من آخر الممر نفس الشخص اللي كانت ملامحه غامضة، الراجل اللي مكنش باين في الصورة من الأول. خطوته كانت سريعة لكن ثابتة، لابس بدلة أنيقة ووشه هادي، وفي إيده علبة قطيفة صغيرة.
قرب من الدكتور وقال بصوت قوي ومطمئن: أنا فصيلتي نفس الفصيلة يا دكتور، وجاهز للمطابقة والتبرع فوراً.
### طوق النجاة
كل العيون لفتت له في ثانية واحدة. نورا بصت له بذهول، وحست إن الصوت ده مش غريب عليها، وعصام رفع راسه من الأرض وعينه مبرقة وهو بيحاول يستوعب الراجل ده طلع منين.
الدكتور مكنش عنده وقت يسأل عن الهوية، مسك الراجل من دراعه وقال للممرضة: خدي الأستاذ فوراً على غرفة سحب الدم وعينات المطابقة، بسرعة يا بنتي.
الراجل بص لنورا نظرة خاطفة كلها طمأنينة قبل ما يدخل مع الممرضة، وكأن النظرة دي كانت بتقول لها: متخافيش، ربنا مش بيسيب حد.
نورا فضلت واقفة مكانها، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف، والتفتت لعصام اللي بدأ يقوم من على الأرض ببطء وهو شايل انكساره وخيبته. عصام بدأ يلم الفلوس من على الأرض بأيد مرتعشة، يحط الحزمة ورا الحزمة في الشنطة وهو مش قادر يبص في عين أخته. الكبرياء اللي كان سايق بيه الدنيا امبارح، اتهد تماماً على بلاط المستشفى.
نورا قعدت على الكرسي وجسمها كله بيتنفض، طلعت الرسالة اللي كانت في جيبها وبصت للخط، وبعدين بصت للممر اللي دخل منه الراجل. الإحساس اللي جواه أكد لها إن الراجل ده هو نفسه صاحب الرسالة، هو نفسه فاعل الخير اللي اشترى الدهب ودفع حساب المستشفى امبارح. لكن السؤال اللي كان هيجننها وهيجنن عصام: هو مين؟ وليه بيعمل كل ده؟ وماشي وراهم خطوة بخطوة إزاي؟
بعد حوالي نص ساعة مرت كأنها دهر، خرج الممرض من غرفة العمليات وهو شايل كيس الدم وجري بيه لجوة. الدكتور طمنهم من على الباب وهو بيمسح عرق جبينه: الحمد لله، الفصيلة مطابقة تماماً، وبدأنا نقل الدم، ادعوا له الساعتين الجايين دول يعدوا على خير.
نورا رفعت إيدها للسما وبدأت تدعي ببكاء هستيري، وعصام قعد على الكرسي اللي جنبها، حاطط الشنطة السودا بين رجليه، ودافع راسه بين إيديه وهو بيعيط في صمت. مكنش عياط خوف بس، كان عياط ندم، عياط الابن اللي اكتشف إنه باع أبوه عشان أرقام في البنك، والراجل الغريب جه يشتري حياة أبوه بدمه وفلوسه.
### حكاية من الماضي
بعد ساعة، خرج الراجل من غرفة التبرع، وبان على وشه شوية إرهاق، وكان حاطط قطنة على دراعه ومثبتها بلزق طبي. مشي ببطء لحد ما وصل عند نورا وعصام.
نورا وقفت بسرعة وقربت منه وصوتها بيترعش: أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. إنت أنقذت حياة بابا، ودفت الفلوس، ورجعت الدهب.. أرجوك قولي إنت مين؟ وليه بتعمل معانا كل ده؟ إحنا نعرفك؟
الراجل ابتسم بمرارة، وبص لعصام اللي رفع راسه وبص له بنظرة مليانة تساؤلات وكسوف. الراجل قعد على الكرسي وشاور لنورا تقعد، وقال بصوت هادي ومريح: أنا اسمي طارق.. طارق عبد العزيز. الاسم ده ممكن ميكونش معروف بالنسبة لكم، لأنكم كنتوا صغيرين أوي لما الحكاية دي حصلت، لكن الاسم ده بالنسبة لأبوكم، الحاج أحمد، يعني كتير.
عصام عقد حواجبه وبص له بتركيز: طارق عبد العزيز؟ أنا الاسم ده سمعته من بابا زمان.. بس مش فاكر فين.
طارق هز راسه وقال: هفكرك يا عصام. من عشرين سنة، أبويا الله يرحمه كان راجل على قد حاله، كان شغال في تجارة صغيرة للأجهزة المنزلية، وتجارته خسرت فجأة بسبب حريقة كبيرة كلت المحل والبضاعة كلها. أبويا اتدمر، وبقى عليه ديون وشيكات، والكل اتخلى عنه، وحتى أقرب الناس له قفلوا تليفوناتهم في وشه وقالوا له السوق ميرحمش والسيولة غير الأصول، نفس الكلام اللي إنت قلته لأبوك امبارح يا عصام.
عصام حس كأن كلمة طارق ضربة سوط على وشه، ونزل عينه الأرض تاني.
طارق كمل كلامه وبص لنورا: في الوقت ده، لما الدنيا ضاقت بأبويا وكان هيتسجن، ومكنش عارف حتى يجهز أختي الكبيرة اللي كان فرحها بعد شهر، ومكنش معاه يشتري لها تلاجة وغسالة يستر بيهم بنته قدام أهل جوزها، مين اللي وقف جنبه؟ أبوكم.. الحاج أحمد.
نورا سألت والدموع في عينها: بابا؟
طارق رد ونبرة صوته مليانة فخر: أيوه، الحاج أحمد. بابا مكنش شريكه ولا كان قريبه، كان مجرد تاجر جاره في السوق. لما عرف باللي حصل، راح لأبويا المحل المحروق، وأخده من إيده، وفتح له مخازنه وقال له: خد كل الأجهزة اللي بنتك محتاجاها، وتلاجات وغسالات ومطابخ، وخد البضاعة دي ابدأ بيها من جديد، والفلوس دي مش عايزها غير لما تقف على رجلك، ولو مجتش مش هطالبك بيها. ولما أبويا قاله إنت بتخاطر بفلوسك وتجارتك يا حاج أحمد، أبوكم رد عليه بجملة أبويا عاش يموت وهو فاكرها، وقال له: الأصول مش حسابات في البنك يا عبد العزيز.. الأصل الحقيقي هو السند وقت الشدة، وإحنا أولاد أصول.
طارق سكت لحظة، وبص لعصام بعين حادة لكن حزينة: أبويا وقف على رجله تاني بسبب أبوكم، وسدد ديونه، والزمن دار، وأبويا مات وأنا كبرت واستثمرت، وبقيت صاحب شركة العقارات اللي اشترت محل الصاغة بتاع الحاج مرسي الأسبوع اللي فات. امبارح، كنت قاعد في المحل بخلص ورق الإستلام، ودخلتِ إنتِ يا نورا.
نورا انتبهت وبصت له بكل جوارحها.
طارق كمل: شفتك وإنتِ بتعيطي وبتبيعي دهب والدتك، وسمعتك بتنزلي في السعر لصاحب المحل القديم وبتقولي له أرجوك اوزن بسرعة عشان بابا محتاج العملية فوراً. لما مشيتِ، سألت عن الاسم وعرفت إنك نورا أحمد.. بنت الحاج أحمد الراجل الطيب اللي خيره مغرق عيلتنا من عشرين سنة. في ثانية واحدة، افتكرت كلام أبويا الله يرحمه وعرفت إن ربنا بعتني في المكان ده وفي التوقيت ده عشان أرّد الدين.
### مواجهة الحقيقة وشرك الغدر
عصام كان بيسمع الكلام وجسمه كله بيترعش. الفلوس اللي في الشنطة بقت كأنها جمر نار مش قادر يلمسه. الراجل الغريب ده بيحكي عن أبوه وعن الأصول اللي هو نفسه استهتر بيها وسخر منها امبارح لما أبوه طلب منه المساعدة.
عصام وقف ومشى خطوتين ناحية طارق، وصوته كان مهزوز تماماً: أنا.. أنا مش عارف أقول لك إيه. أنا امبارح غلطت.. غلطت غلطة عمري. بس والله العظيم أنا رحت رهنت المعرض بتاعي امبارح بالليل وجبت الفلوس دي كلها كاش وجيت جري عشان أدفعها.. أنا مكنتش قاصد أسيب بابا يموت.
طارق بص لعصام نظرة طويلة، مكنش فيها شماتة، كان فيها أسى: أنا عارف إنك رهنت المعرض يا عصام.. وعارف إنت رهنت المعرض لمين وبكام.
عصام استغرب وبص له بقلق: عارف منين؟
طارق وقف وعدل جاكيت بدلته، وقال بنبرة غامضة ومقلقة: التاجر اللي إنت قعدت معاه لحد الساعة واحدة بالليل ورهنت له المعرض بأقل من نص تمنه واستلمت منه الشنطة دي، يبقى المعلم توفيق.. صح؟
عصام بلع ريقه وصوته اختفى: أيوه.. هو المعلم توفيق.. إنت تعرفه؟
طارق قرب من عصام خطوة، وبص في عينه مباشرة وقال جملة وقعت على عصام كأنها صاعقة: المعلم توفيق مش تاجر عادي يا عصام.. توفيق شغال لحساب حد تاني، والحد ده هو اللي مرتب اللعبة دي عليك من تلات شهور عشان يوقع شحنات البضاعة بتاعتك في الميناء، ويجبرك تعطش للسوق وميبقاش معاك سيولة، ولما تقع في أزمة تروح له برجليك ترهن المعرض عشان ياخده منك بتراب الفلوس.
عصام رجع لورا خطوة، والوجع والصدمة ظهروا على وشه: لعبة؟ لعبة من مين؟ مين اللي عايز يخرب بيتي وياخد معردي؟
طارق بص له بهدوء قاتل وقال: شريكك.. شريكك اللي إنت كنت بتثق فيه وبتفضل كلامه ومصالحك معاه على قعدتك مع أبوك وأختك. هو اللي اشترى شحناتك من ورا ظهرك، وهو اللي زق توفيق عشان يشتري معرضك امبارح بالليل لما عرف إنك مزنوق في فلوس عملية والدك. إنت اتقريت صح يا عصام، واتلعب بيك صح، لأنك نسيت الأصول وافتكرت إن السوق شطارة وفهلوة بس.
عصام حس إن النفس انقطع من صدره. شريكه وعمره كله وضياع معرضه.. كله كان مؤامرة مترتبة، وهو زي الأعمى جرى ورا الفلوس لحد ما خسر كل حاجة في ليلة واحدة: خسر معرضه، وخسر ثقة أبوه وأخته، وكان هيخسر حياة أبوه لولا ستر ربنا.
نورا لفت وبصت لأخوها وهي مش مصدقة حجم المستنقع اللي عصام رمى نفسه فيه بسبب جشعه وثقته العمياء في ناس ميعرفوش ربنا.
في اللحظة دي، وقبل ما عصام ينطق بحرف أو يستوعب الصدمة اللي نزلت فوق دماغه، اللمبة الحمراء اللي فوق باب غرفة العمليات انطفت.
الباب اتفتح ببطء، وخرج السرير المتحرك وعليه الحاج أحمد، وشه كان شاحب ونايم تحت تأثير البنج، لكن الأجهزة اللي حواليه كانت بتصدر أصوات منتظمة ومستقرة. الدكتور خرج ورا السرير وهو بيمسح وشه بتعب، وأول ما شافهم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: الحمد لله.. الأزمة عدت والعملية نجحت، وضخ الدم رجع للمعدل الطبيعي. الحاج قام بالسلامة، وهيتنقل الأوضة العادية حالا.
نورا جريت على السرير ومسكت إيد أبوها وهي بتبكي وبتبوسها، وعصام جرى هو كمان ودموعه نازلة، وقف بعيد مش قادر يقرب من السرير من كسوفه وخوفه من اللحظة اللي أبوه هيفتح فيها عينه ويبص له.
طارق وقف من بعيد وبص للمشهد، وطلع العلبة القطيفة الصغيرة من جيبه وحطها على الترابيزة اللي جنب نورا، وقال بصوت واطي: دهب والدتكم معاكم أهو.. والفلوس اللي في الشنطة دي يا عصام لازم ترجع لصاحبها وتلغي الرهن فوراً قبل ما الحبر ينشف على الورق، لأن المعركة بتاعتك مع شريكك لسه مبدأتش.. وأنا مش هسيب ابن الحاج أحمد يقع.
طارق لف ظهر عشان يمشي، لكن عصام ناداه بصوت مكسور ومبحوح: طارق!
طارق التفت وبص له.
عصام بلع ريقه وقال وعينه مليانة دموع: أنا.. أنا هقدر أصلح اللي انكسر؟ بابا هيسامحني؟
طارق بص له بنظرة غامضة وقال: أبوك قلبه كبير يا عصام.. بس المسألة مش مسألة مسامحة، المسألة إنك لازم تثبت له إنك فعلاً عرفت معنى الأصول.. واليومين الجايين دول هما اللي هيحددوا إذا كنت هترجع أخ لنورا وابن للحاج أحمد.. ولا هتفضل مجرد تاجر خسر كل صفقاته.
طارق مشى وساب الممر، ونورا وعصام فضلوا واقفين جنب سرير أبوهم اللي بدأ يتحرك للأوضة العادية، والاتنين عارفينه إن اللي فات كان كوم.. واللي جاي كوم تاني خالص. المعرض ضاع، والشريك خان، وأبوهم بين الحيا والموت.. والفصل الأخير من الحكاية دي هو اللي هيحسم كل حاجة.