زهرة الربيع 2

شهور عدت والبيت رجع فيه النفس، وسلفتي بقت زي الخاتم في صباعي، مش خوفاً مني، بس بعد ما شافتني وأنا بفتح لها الباب وهي في عز كسرتها، وبعد ما شافت معاملتي ليها ولابنها اللي نور بيتنا. سالم جوزي المشروع بتاعه نجح، وبقى بيجيلنا فلوس كويسة، وأنا بقيت بوزع المهام عشان مفيش حد يشيل فوق طاقته، وحماتي ربنا يبارك في عمرها بقت هي “الناظر” اللي بيراقب الهدوء اللي في البيت من بعيد لبعيد وهي بتدعي لنا.
بس الدنيا مابتمشيش على وتيرة واحدة، والهدوء اللي في البيت كان بيخبي وراه عواصف تانية خالص. سلفي، اللي كان مكسور، بدأ يفك ويتشجع ويطلب من سالم إنه يدخله معاه في شراكة في مكتب الاستشارات اللي فتحوه، وسالم من طيبة قلبه وافق، وبدأوا يشتغلوا سوا. ومع الشغل، بدأت الطلبات تكتر، وبدأ سلفي يطلب مني أنا شخصياً إني أساعدهم في التنسيق، بحكم خبرتي في الإدارة و”شطارتي” اللي الكل بيشهد بيها.
في يوم، كنت قاعدة بظبط أوراق للمكتب، وسلفتي دخلت عليا المطبخ، ملامحها كانت قلقانة، والتوتر رجع تاني يظهر في حركاتها. قعدت على الكرسي قدامي وقالت بصوت واطي:
* “يا مرات أخويا، أنا مش عايزة أفتح مواضيع قديمة، بس الموضوع ده شاغل بالي. جوزي وسلفك بقوا ليل نهار سوا، والفلوس بدأت تكتر في إيديهم، وخايفة التاريخ يعيد نفسه. أنا بجد مش عايزة أحس بالغيرة اللي حستها قبل كده، بس خايفة عليكِ وعليّ.”
بصيت لها بابتسامة هادية وقلت:
* “يا بنتي، اللي بيخاف على بيته بيصونه بالذكاء مش بالغيرة. احنا اتعلمنا الدرس، ودلوقتي احنا شركاء، مش أعداء. فكرة إنهم يشتغلوا سوا دي حاجة كويسة، والمهم إننا نكون عينيهم اللي بتشوف الصح.”
بس اللي مكنتش أعرفه، إن “الصح” ده ليه وجهات نظر تانية. سلفي بدأ يتغير، مش غرور، بس طمع. بدأ يلمح لسالم إن “البيت محتاج تجديدات تليق بالمستوى اللي وصلنا له”، وبدأوا يتكلموا في تغيير عفش البيت، وفي إدخال مهندسين ديكور، وفي تغيير شكل حياتنا كله. حماتي كانت معارضة بشدة، وبتقول: “البيت ده بركته في القديم، والجديد بيجيب وجع الدماغ”.
يوم الجمعة، واحنا متجمعين على الغدا، سلفي رمى القنبلة وسط اللمة:
* “يا سالم، إحنا لازم نطور البيت، مش معقول نفضل عايشين كده والناس بدأت تعرف إننا كبرنا. لازم نجيب شركة ديكور عالمية، ونغير المطبخ، ونعمل استقبال للمكتب، البيت ده محتاج واجهة تليق بينا.”
سالم بصلي، مستني رأيي. أنا كنت شايفة إن الكلام ده بداية لمصاريف مالهاش لازمة، وهدم لبيت العمر. قبل ما أنطق، سلفتي فاجأتني وقالت:
* “لا يا أخويا، البيت ده زي ما هو جميل، ومحبتنا فيه أهم من أي ديكور. اللي عايز يغير يغير في نفسه مش في حيطان بيتنا.”
سلفي اتنرفز، والجو في الصالة بقى مشحون. أنا حسيت إن الأوان جه عشان أحط النقط على الحروف، قمت وقفت وقلت بصوت حازم بس فيه مودة:
* “يا جماعة، إحنا كبرنا بفضل ربنا، وفضل شقا سالم وسلفي. التغيير مش بس عفش، التغيير في التفكير. لو عايزين نطور، نطور في حياتنا، في علاقتنا، في مستقبل ولادنا. البيت ده فيه ذكريات، ولو غيرناه بزيادة هنفقد روحنا فيه.”
سلفي بص لي بحدة وقال: “انتي خايفة على إيه؟ خايفة نغير ونبقى أحسن؟ ولا خايفة إننا نخرج من تحت عباءتك؟”
الكلمة دي كانت قاسية، وجرحتني في الصميم. سالم حاول يتدخل، بس أنا وقفت ومنعته. بصيت لسلفي وعيوني في عيونه، وقلت:
* “يا سلفي، أنا لا ماسكة عباءة ولا ماسكة مفاتيح، أنا ماسكة أمانة. لو عايز تجرب التغيير، جرب.. البيت بيتكم، بس بلاش تجرحوا بعض، وبلاش نضيع اللي بنيناه في سنين عشان شوية خشب وقماش.”
الموقف ده كان شرارة، والبيت من تاني بدأ يتقسم، بس المرة دي مش خناقة ستات، دي خناقة رجالة ومشاريع. سلفي بدأ يشتري حاجات للبيت من غير ما ياخد رأي حد، وبدأ يغير ملامح الصالة، وأنا وسلفتي بقينا بنراقب الوضع بقلق.
فجأة، سالم جالي بليل وقالي: “يا أم العيال، سلفي عايز ياخد قرض كبير بضمان البيت عشان يوسع المشروع، وعايزني أمضي معاه. أنا خايف، بس مش عايز أكسره قدام مراته وابنه.”
هنا عرفت إن الحرب الحقيقية بدأت. مش حرب شطة في أكل، دي حرب “بيوت”. لو وافق، ممكن نخسر البيت. لو رفض، ممكن نخسر العيلة.
قعدت مع نفسي طول الليل، بفكر، وبدعي ربنا يلهمني الصواب. تاني يوم، قررت أعمل خطة. مش خطة للانتقام، لا، خطة “للحماية”.
جمعت العيلة كلها، وحماتي في النص، وطلبت من سلفي وسالم يقعدوا. قلت لهم:
* “إحنا شركاء في البيت، وشركاء في الرزق. لو عايزين قرض، يبقى لازم يكون بموافقة الكل، وبخطة مدروسة، مش عشوائية. وأنا كأخت ليكم، ليا حق الرأي.”
سلفي حاول يرفض، بس حماتي تدخلت بصوتها القوي اللي مفيش حد بيقدر يكسره:
* “اللي قالته مرات أخوك يمشي، البيت ده مش ملك حد لوحده، ده بيت العيلة، وأي حد عايز يمد إيده فيه لازم يرجع للأصول.”
سلفي سكت، وبص للأرض. حسيت إنه بدأ يحس بالذنب، أو يمكن بدأ يدرك إن اللعبة أكبر منه.
الأيام الجاية كانت صعبة، بدأت أشارك في حسابات المكتب، وبدأت أفهم في العقود، وبقيت براجع كل ورقة بيطلبوا مني أمضي عليها. سلفتي بقت ذراعي اليمين، بنقعد سوا نحلل المصاريف، وبنقرر إيه اللي ينفع للبيت وإيه اللي “تضييع فلوس”.
في وسط المشاكل دي، ظهرت حاجة جديدة.. واحدة من العملاء الكبار اللي بيتعاملوا مع المكتب، بدأت تتقرب من سلفي وسالم، وكانت واضحة جداً إنها عايزة “تسيطر” على المشروع، وبدأت تحاول توقع بينهم وبين بعض، بتوقيع “النميمة” و”الوشاية”.
كانت بتيجي البيت، وبتقعد تتكلم في كلام ملوش لزوم، وبدأت تحسسني أنا وسلفتي إن “الرجالة دول مش مقدرين تعبكم”، وإننا لازم “نأمن نفسنا”.
دي كانت اللعبة الأكبر. الست دي كانت ذكية، وبتعرف تلعب على وتر الحقد اللي كان موجود أصلاً بيني وبين سلفتي زمان. بس هي مكنتش تعرف إننا “اتعلمنا الدرس”.
في يوم، لقيت الست دي بتديني “نصيحة” في المطبخ: “ليه ساكتة يا حبيبتي؟ جوزك وسلفك بيعملوا فلوس من ورا ضهرك، لازم تطلبي حقك، ولو مش عايزين، خدي فلوسك واطلعي من البيت.”
بصيت لها ببرود وقلت: “البيت ده فيه ستات بيعرفوا يحموا بيوتهم، مش محتاجين نصائح من حد.”
الست دي سكتت، ووشها اتغير. خرجت من المطبخ، ولقيت سلفي واقف بيسمعنا. بص لي بصدمة، وبص للست دي اللي بدأت تترعش.
سلفي، اللي كان مخدوع، بدأ يفوق. بص للست دي وقال: “انتي مين عشان تدخلي في بيتنا؟ ومين اللي قالك إننا بنخبي حاجة عن مراتتنا؟”
طردها بره البيت، ورجع لي باصص في الأرض، وقال: “أنا أسف.. أنا اللي سمحت لده يحصل.”
دمعتي نزلت، مش عشان الموقف، بس عشان شفت “إنسان” جوه سلفتي وسلفي، إنسان كان محتاج حد يوجهه، مش حد يوقعه.
حسيت إن البيت دلوقت مش بس بيت، ده “قلعة” حصينة، سورها حبنا واحترامنا، ومفتاحها هو الوعي. والمشروع بتاع سالم وسلفي، بدل ما يبقى سبب في خناقنا، بقى سبب في إننا نفهم بعض أكتر، ونكبر سوا، ونحمي الرزق اللي ربنا رزقنا بيه.
لكن، الست دي مكنتش هتسكت. بعدها بيومين، جالنا خبر إنها بتقدم شكوى في المكتب، وعايزة توقف الشغل. سالم وسلفي اتوتروا، وبدأوا يفكروا في الحل.
جوزي بص لي وقالي: “يا أم العيال، إحنا دلوقتي في مشكلة قانونية كبيرة، والست دي شكلها ناوية على شر.”
قمت وقفت، مسحت دموعي، وقلت: “الشر اللي جاي من بره، بنهزمه بالحق والعدل. جهزوا كل الورق، وكل حساباتنا، وكل العقود. احنا مش خايفين من حد، لأننا ماشيين صح.”
بدأنا رحلة الدفاع عن بيتنا وشغلنا، وسلفتي كانت بتجهز الأكل للضيوف والمحامين، وأنا كنت بذاكر القوانين، وسالم وسلفي بيحضروا المستندات.
في اليوم اللي المفروض نواجه فيه الست دي في المكتب، دخلت أنا وسلفتي مع الرجالة. كانت أول مرة ستات العيلة يدخلوا “ميدان المعركة” ده بجد.
الست دي لما شافتني، ابتسمت بسخرية. بس لما بدأت أتكلم، وأعرض الحقائق، وأطلع العقود اللي مفيش فيها غلطة، سكتت.
القاضي أو المسؤول اللي بيحكم، بص لنا باحترام، وقال: “واضح إنكم عيلة متماسكة، وده هو سر النجاح.”
خرجنا من المكتب منتصرين، بس الانتصار الحقيقي كان في نظرة سالم وسلفي ليا ولأختهم. حسيت إننا بقينا “كتلة واحدة”، مفيش حد يقدر يكسرها.
البيت دلوقت بقى أهدى، وبقى فيه “نظام” جديد. كل حاجة بنعملها، بنعملها بالتشاور. والست دي اختفت، والرزق زاد، وبدأنا نخطط لمشروع جديد، مش بس للشغل، ده مشروع لـ “دار أيتام” أو “مساعدة للمحتاجين”، عشان نرد الجميل للي رزقنا.
بس لسه السؤال: هل الدنيا هتسيبنا في حالنا؟ ولا دايماً فيه “شطة” جديدة مستنية تترش في أكلنا؟ أنا مش عارفة، بس اللي عارفاه، إني بقيت “أم العيال” اللي بجد، اللي عارفة إمتى تحمي، وإمتى تحارب، وإمتى تحب.
القعدة في الصالة بقت أحلى، والضحكة بقت أصدق، والبيت اللي كان يوم فيه نار وشطة، دلوقت فيه دفء ومحبة. والدروس اللي اتعلمناها، بقت “دستور” للعيلة دي.
يا ترى، إيه اللي مخبياه الأيام الجاية؟ يمكن حمل جديد لسلفتي، يمكن نجاح أكبر لسالم وسلفي، يمكن تحديات تانية. أنا جاهزة، لأن ورايا “عيلة” حقيقية، مش مجرد أفراد عايشين في بيت واحد.
وإحنا قاعدين بنتغدى، سلفتي بصت لي وقالت: “يا أم العيال، أنا النهاردة طبخت الأكل، وحطيت فيه كل حبي، ومن غير ولا ذرة شطة.”
ضحكنا كلنا، وسالم قال: “ولا ذرة شطة، بس فيه طعم يجنن.”
فهمت إن الحياة مش بس بالمكونات، الحياة بالطريقة اللي بنقدمها بيها للناس اللي بنحبهم. والبيت ده، مهما حصل فيه، هيفضل “بيت العيلة” اللي بيجمعنا على الخير، وبيفكرنا دايماً إن “الرزق الصافي” بيجي من “القلب الصافي”.
هل ده معناه إن قصتي خلصت؟ لأ.. قصتي لسه بتبدأ، وكل يوم هو فصل جديد، وكل “أكلة” بنعملها هي حكاية جديدة بنحكيها لأولادنا، عشان يعرفوا إن “البيت” مش بس سقف وحيطان، ده “موقف” و”كلمة” و”فعل” بيتبني عليه المستقبل.
وأنا قاعدة، ببص على العيلة دي، بحس برضا يملأ قلبي. الرضا ده هو اللي بيخليني أواجه أي حاجة، وهو اللي بيخليني أقول: “أنا ست بـ 100 راجل، مش عشان قوتي، بس عشان قلبي اللي بيعرف يسامح ويحب ويحمي.”
الدنيا بتدور، والبيت بيكبر، وأنا لسه واقفة، مستعدة لكل جديد، بابتسامة، وقلب مفتوح.
الأيام بقت تمر علينا بهدوء مريب، هدوء ما بعد العاصفة اللي بيخلي الواحد دايماً حاسس إن فيه حاجة هتحصل. بس الهدوء ده كان “هدايا” من ربنا لينا عشان نلم شتاتنا ونبني أساس صح. البيت اللي كان يوم من الأيام ساحة معركة، بقى دلوقت خلية نحل؛ الكل بيشتغل، الكل بيحلم، والكل بيخاف على بعض.
عدت سنة كاملة على واقعة “الشطة”، والسنة دي كانت كفيلة تغير ملامحنا تماماً. سلفي وسالم كبروا في السوق، والمكتب بقى ليه صيت، وكلمة “عيلة سالم” بقت مسموعة في كل مكان. أنا وسلفتي… أه، أنا وسلفتي اللي بدأت معاها الحكاية، بقينا إيد واحدة حرفياً. بقيت بشوفها بتشاورني في لبسها، في تربية ابنها، وفي حتى أبسط تفاصيل يومها. الندم اللي شفته في عينيها يوم العزومة، اتمسح بالتدريج بـ “العِشرة” والمواقف الحلوة اللي عشناها سوا.
في يوم، كنت قاعدة في الجنينة بتاعت البيت، بنظف الزرع وبفكر في اللي جاي. حماتي طلعت قعدت جنبي، حطت إيدها على كتفي وقالت: “يا بنتي، البيت ده شال هموم كتير، بس ربنا كافأنا في الآخر بالستر. إنتي اللي كنتِ حجر الأساس.”
بصيت لها وابتسمت: “يا أمي، إحنا كلنا اتعلمنا. لولا الوجع، مكنش حد فينا عرف قيمة التاني.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربيات داخلة على البيت. استغربت، لأننا مش مستنيين حد. وقفت لقيت سالم وسلفي نازلين من عربية فارهة، ومعاهم محامي المكتب. ملامحهم كانت جدية بزيادة، وسالم بيبص لي بنظرة قلق ممزوجة بحماس. دخلوا الصالة، وجمعت الكل.
سلفي وقف وبص لي، وبص لمراته، وقال: “يا جماعة، النهارده يوم مش عادي. إحنا وصلنا لاتفاق شراكة مع شركة دولية، والموضوع ده هيغير مستوى معيشتنا تماماً، وهينقلنا في حتة تانية خالص. بس فيه شرط…”
سالم كمل كلامه: “الشرط إننا نوسع النشاط، ونفتح فروع في محافظات تانية. وده معناه إننا هنحتاج “إدارة” حقيقية، إدارة مش بس أوراق، إدارة “بيت” و”شغل” في نفس الوقت. إحنا فكرنا، ومفيش حد أقدر من أم العيال وسلفتي، يديروا الجزء الخاص بالموارد البشرية والعلاقات العامة في الشركة.”
شهقت من المفاجأة. أنا؟ اشتغل في إدارة شركة؟ أنا اللي كنت بظبط البيت وبراعي العيال؟
سلفتي بصت لي، وعينيها بتلمع بفرحة: “إيه رأيك يا أختي؟ هنعملها سوا، زي ما عملنا في البيت!”
حسيت بمسؤولية جديدة بتتحط على كتافي، مسؤولية مش بس عشان الفلوس، دي مسؤولية إثبات إن الست المصرية، مهما كبرت مسؤولياتها، بتعرف توفق بين “البيت” و”العمل” من غير ما تقصر في أي حاجة. وافقت، ومن هنا بدأت مرحلة جديدة خالص في حياتنا.
بقيت بقسم يومي، الصبح في الشركة بنظم وبدير، والضهر برجع للبيت، للأكل، لعيالي، لحماتي. سلفتي بقت هي “الذراع” اللي بيسندني، بقينا بنعمل جدول للأكل، وجدول للمصاريف، وجدول حتى للفسح. البيت مكنش بيحس بغيابي، بالعكس، بقيت برجع ألاقي الأكل جاهز، والبيت زي الفل، لأن سلفتي خدت مني “روح الاهتمام” اللي كنت بحاول أزرعها فيها.
بس، الدنيا مابتسيبش حد في حاله. النجاح ده جاب لنا “حساد” كتير. بدأت تظهر إشاعات إننا “سرقنا” الشغل، وإشاعات عن “تجاوزات” في الشركة. المحامي كان دايماً معانا، بيحمينا، بس القلق كان بيحاول يتسلل لبيتنا تاني.
في ليلة، وأنا براجع أوراق مهمة للشركة، لقيت ورقة تهديد محطوطة على باب البيت. “مش هتتهنوا بالنجاح، الدور عليكم.”
قلبي دق، بس مش خوف، ده كان دق “تحدي”. ورجعت للقصة القديمة.. افتكرت الشطة، افتكرت الغيرة، افتكرت كل اللي حاول يوقعنا.
جمعت العيلة، وحكيت لهم. سالم كان عايز يروح يواجه، بس أنا وقفت: “المواجهة مش بالصوت العالي يا سالم، المواجهة بالثبات. إحنا ماشيين بما يرضي الله، والورقة دي ما هي إلا محاولة من حد ضعيف عشان يوترنا.”
فعلاً، طلع حد منافس في السوق كان بيحاول يضربنا في “أعصابنا”. بس لما شافونا ثابتين، لما شافوا إن البيت لسه مترابط، وإننا مابنردش على الإساءة غير بالنجاح، خافوا وتراجعوا.
عدت الشهور، وحققنا نجاحات ماكناش نحلم بيها. وفي عيد ميلاد ابني الصغير، عملنا حفلة كبيرة، جمعنا فيها كل اللي وقفوا معانا. سلفتي وهي بتساعدني في التجهيزات، مسكت إيدي وقالت: “فاكرة يا أم العيال؟ يوم ما حطيت الشطة في الأكل؟ كان أسوأ يوم في حياتي، بس كان السبب في إني أعرف مين هي ‘أم العيال’ بجد.”
ابتسمت وضميتها: “ده كان الدرس الأكبر لينا كلنا.”
البيت دلوقت مش بس بيت، ده “مدرسة”. مدرسة للحب، للصبر، وللإدارة. حماتي قاعدة في ركنها المعتاد، بتراقب ولادنا وهم بيكبروا، وبتدعي لنا بكل حرف ناطقه لسانها. وسالم وسلفي، بقوا “رجالة” بمعنى الكلمة، مش بس في الشغل، لا، في طريقة تعاملهم معانا ومع ولادهم.
وقبل ما أخلص الحكاية، لازم أقول لكم إن الحياة مش وردي، الدنيا فيها مطبات، فيها غيرة، وفيها ناس بتحاول ترش شطة في أكلنا. بس الفرق إننا دلوقت بقينا “محصنين”. بقينا عارفين إمتى نفتح الباب، وإمتى نقفله، وإمتى نقول “لأ”، وإمتى نمد إيدنا للمساعدة.
يا ترى ده الفصل الأخير؟
أنا شايفة إن كل يوم بنصحى فيه هو فصل جديد. قصتي مع “بيت العيلة” لسه بتتكتب، مش بالورقة والقلم، لا.. بتكتبها مواقفنا، ردود أفعالنا، وحبنا اللي بيزيد كل يوم.
سالم دخل عليّ الأوضة، مسك إيدي وقالي: “يا غالية، بكره عندنا اجتماع مهم، بس عايزك تفتكري دايماً، إن من غيرك، لا كان فيه شركة، ولا كان فيه بيت، ولا كان فيه حياة. إنتي روح المكان.”
بصيت للمراية، شفت “أم العيال” اللي بدأت الحكاية وهي بتظبط الطرحة، وشفت “الست” اللي بقت تدير شركات وتحمي بيوت. ملامحي اتغيرت؟ ممكن شوية، بس قلبي لسه هو هو، قلبي اللي بيحب، بيسامح، وبيصمد.
الحكاية لسه ماخلصتش.. هي ممتدة، وممتدة لينا، لولادنا، وللأجيال اللي هتيجي بعدنا. البيت ده، بكل حيطانه، بكل ذكرياته، وبكل “الشطة” اللي اتمرت عليه، هيفضل هو “الحصن” اللي بنهرب فيه من برودة الدنيا، وهنفضل إحنا.. “العيلة” اللي بتعرف تخرج من كل أزمة بابتسامة، ودرس جديد، وأكلة حلوة تلم الشمل.
ومع كل لقمة بناكلها سوا، بنفتكر إن طعم الحياة مبيجيش غير لما نكون “إيد واحدة”. لا فيه ريسة ولا فيه تابعة، فيه “شركاء” في الحب وفي الحياة. والبيت ده، هيفضل دايماً مفتوح، مش بس لينا، ده مفتوح لكل حد قلبه أبيض وعايز يعيش في خير.
شكراً يا ربي على العيلة دي، وعلى الدرس اللي اتعلمناه، وعلى القوة اللي خلتني أقف وأقول: أنا قدرت، وهفضل أقدر.
ومع كل فصل بيخلص، بيبدأ فصل جديد، وأنا.. أنا جاهزة لكل اللي جاي، وبكل ثقة، هكمل المشوار، لأن “الجدعة” مالهاش نهاية، الجدعة “مبدأ” بيعيش معانا كل يوم.
البيت هدي، والليل بدأ يلف الدنيا، بس جوه قلبي، فيه نور لسه قايد، نور أمل، ورضا، وحب.
نهاية؟ لأ.. دي مجرد استراحة محارب، عشان بكره.. بكره فيه حكاية جديدة، ومسؤولية جديدة، وموقف جديد، هنقابله سوا، كعيلة واحدة، في بيت واحد.
ويا ترى.. يا ترى مين اللي ممكن يحاول يرش “شطة” تاني؟ لو فكروا، خليهم يجربوا، إحنا بقينا عارفين “الوصفة” اللي تخلي الشطة طعمها “سكر”. إحنا اتعلمنا إن حتى الشطة، في إيد الست الحكيمة، ممكن تتحول لنكهة مميزة بتخلي العيشة طعمها أحلى.
دي قصتي، قصة “أم العيال”، والبيت اللي بقى قصر بالمحبة، والقلب اللي بقى أوسع من الدنيا.. قصة مش هتخلص، لأن الحب اللي بيتبني على أساس صح، مابينتهيش، مابينتهيش أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *